منجمٌ لا نراه.. حين تصبح القمامة ثروة المستقبل!
هناك أشياء نرميها لأننا لم نعد نحتاج إليها، وأشياء أخرى نرميها لأننا لم نعد نعرف قيمتها. وهنا تبدأ الحكاية.. هاتف قديم استُبدل به آخر أحدث، حاسوب توقف عن العمل، لوحة إلكترونية احترقت، شاحن انتهى عمره، أو بطارية لم تعد تحتفظ بالطاقة. بالنسبة لنا، انتهت القصة. أما بالنسبة للاقتصاد، فقد تكون القصة قد بدأت للتو. فالجهاز الإلكتروني الذي يبدو قطعة من البلاستيك والمعادن المتناثرة، يحمل في داخله خليطاً ثميناً من النحاس والذهب والفضة ومعادن أخرى تدخل في صناعة التكنولوجيا الحديثة. ولذلك بدأت دول ومؤسسات تنظر إلى المخلفات الإلكترونية باعتبارها نوعاً جديداً من «التعدين الحضري»؛ تعدين لا يحتاج إلى حفر الجبال، بل إلى جمع ما تركناه خلفنا. وتكشف بيانات الأمم المتحدة أن العالم أنتج نحو 62 مليون طن من المخلفات الإلكترونية عام 2022، احتوت على قرابة 31 مليون طن من المعادن. والأكثر إثارة أن القيمة التقديرية للمعادن الموجودة فيها بلغت نحو 91 مليار دولار؛ بينها قرابة 19 مليار دولار من النحاس، و15 ملياراً من الذهب، و16 ملياراً من الحديد. تخيل أن جزءاً من هذه الثروة يمر أمام أعيننا كل يوم، ثم ينتهي في مكب للنفايات! والذهب تحديداً يوضح المفارقة بصورة مذهلة؛ فالمعدن الذي ارتبط في أذهان البشر بالخزائن والمجوهرات وسبائك البنوك، أصبح موجوداً أيضاً في أجهزة صغيرة نحملها في جيوبنا ونستبدلها خلال سنوات قليلة. لكن المسألة أكبر من استرداد الذهب. العالم يحتاج إلى معادن تدخل في البطاريات، والرقائق الإلكترونية، والسيارات الكهربائية، ومعدات الطاقة المتجددة. ومع ازدياد الطلب على التكنولوجيا، تصبح إعادة المعادن الموجودة بالفعل داخل المنتجات القديمة وسيلة لتخفيف الضغط عن الموارد الطبيعية وتقليل الحاجة إلى استخراج كميات جديدة من باطن الأرض. ورغم ذلك، ما زال العالم يهدر الجزء الأكبر من هذه الفرصة. ففي عام 2022 لم يجمع ويعد تدوير سوى 22.3% من المخلفات الإلكترونية بطريقة موثقة وسليمة بيئياً. وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب الثروة، بل في أننا لم نتعلم بعد كيف نراها. ربما يحتاج مفهوم «الكنز» نفسه إلى إعادة تعريف. فالثروة لم تعد بالضرورة شيئاً مدفوناً تحت الأرض. قد يكون الكنز جهازاً مكسوراً في درج، أو هاتفاً منسياً فوق رف، أو حاسوباً ظن صاحبه أنه بلا قيمة. والمفارقة أن الإنسان قد ينفق ملايين الدولارات ليحفر الأرض بحثاً عن معدن، بينما يترك مليارات الدولارات من المعادن فوقها، ثم يدفع أموالاً ليتخلص منها. ربما لن تكون مناجم المستقبل في الصحراء أو بين الجبال.. ربما ستكون في المدن التي نعيش فيها، وفي القمامة التي نلقيها بأيدينا.