ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم مايا إبراهيم

طقوس الخفاء في زمن الأضواء

كان بمقدور الإنسان، في زمن غير بعيد، أن يحيا لحظته كاملةً دون أن يتحسب لعين ترقبه. كان يفرح لمحض الفرح، ويسافر بدافع الشغف، ويلتقي من يحب ليدفأ باللقاء، ويطوي بعض لحظاته في سرائر نفسه؛ كأن في العمر حجرات خفية لا يطأها عابر. ثم أطلت وسائل التواصل الاجتماعي، فلم تكتف بتغيير أدوات تواصلنا، بل امتدت إلى ما هو أعمق: أعادت تشكيل علاقتنا باللحظة ذاتها. صرنا نعبر أيامنا وفي مخيلتنا عدسة. نصل إلى مكان جميل، فتسبق الصورة حضورنا فيه. نجلس إلى مائدة شهية، فنبحث عن الزاوية الأجمل قبل أن نستطعم المذاق. نلتقي من نحب، فتنشغل أيدينا بالهاتف في اللحظات التي كان يكفي فيها أن تكون أيدينا ممدودةً بعضنا إلى بعض. حتى تلك التفاصيل التي كانت تستودع في الذاكرة، صرنا نستودعها في ذاكرة الأجهزة. وليس في المشاركة عيب. فالإنسان بطبعه يحب أن يروي، وأن يقول للآخرين: كنت هنا، حدث هذا، وكنت سعيداً. لكن المسألة تبدأ حين لا تعود المشاركة صدىً للحياة، بل تصبح الحياة نفسها مشروعاً للمشاركة. حين نختار ما نعيشه بحسب قابليته لأن يرى. وحين يتقدم سؤال صامت على أسئلة كثيرة: كيف سيبدو هذا أمام الآخرين؟ سؤال يزاحم سؤالاً أكثر صدقاً: ماذا يعني هذا لي أنا؟ شيئاً فشيئاً، تسلل الجمهور إلى مساحات لم يكن مدعواً إليها. صار للفرح جمهور، وللسفر جمهور، وللنجاح جمهور، وحتى للحزن جمهور. نعلن بداياتنا، ونحتفي بإنجازاتنا، ونشارك تفاصيل أيامنا، حتى بات بعض ما كان يقال همساً لأقرب الناس يقال علناً أمام غرباء لا نعرف أسماءهم. ولعل المفارقة الأشد قسوة أننا قد نشعر بالوحدة ونحن محاطون بآلاف الوجوه. فالأرقام لا تصنع القرب، والإعجاب لا يساوي المودة، والتعليق لا يعني الاهتمام، وكثرة المتابعين لا تعني أن أحداً يعرفنا حقاً. قد يعرف الناس أين ذهبنا، وماذا أكلنا، وماذا اشترينا، وأي كتاب قرأنا، لكنهم لا يعرفون بالضرورة ما الذي يثقل صدورنا حين نضع الهاتف جانباً. هنا تحديداً تتجلى المفارقة. كلما اتسعت قدرتنا على عرض حياتنا أمام الآخرين، ازدادت حاجتنا إلى أن نحتفظ بجزء منها لأنفسنا. فليست كل لحظة بحاجة إلى صورة. وليس كل فرح بحاجة إلى إعلان. وليس كل إنجاز بحاجة إلى جمهور كي يصبح إنجازاً. هناك أشياء يبهت جمالها حين نخرجها من خصوصيتها، ولحظات تزداد قيمةً حين لا يعرف بها أحد. أن تجلس إلى من تحب دون أن تفكر في التقاط صورة. أن تسافر ولا تخبر أحداً إلى أين ذهبت. أن تنجح وتدع الخبر يصل متأخراً، أو لا يصل أصلاً. أن تحزن دون أن تبحث عن الكلمات التي تجعل حزنك صالحاً للنشر. ربما نحتاج، في هذا العالم الذي يدفعنا باستمرار إلى الظهور، إلى استعادة حقنا البسيط في الخفاء. أن نترك لأنفسنا شيئاً لا يراه أحد. شيئاً لا يقاس بعدد الإعجابات، ولا يترجم إلى تعليق، ولا يحتاج إلى شاشة كي يثبت أنه حدث. فالحياة التي تستحق أن تعاش ليست بالضرورة الحياة التي تستحق أن تعرض. ولعل أجمل ما يمكن أن نستعيده من زمن لم تكن فيه للحظات جماهير، أن نكتشف من جديد تلك المساحة الهادئة التي تكون فيها الأشياء حقيقية لمجرد أننا عشناها. أن نضحك ولا نصور. أن نحب ولا نعلن. أن نفرح ولا نشرح. وأن نترك بعضاً من أعمارنا لنا وحدنا. أن نعيش اللحظة أولاً، قبل أن نفكر كيف ستبدو في الصورة.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓