ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. محمد عبدالحميد الرمامنة

«التحوط السيادي.. لا طريق واحد»

ليس المطلوب أن نتنبأ بسقوط الولايات المتحدة، ولا أن نقول إن الصين تستعد لتسلم قيادة العالم. مثل هذه الأحكام تحتاج إلى زمن طويل حتى تثبتها الوقائع. لكن ما يمكن ملاحظته الآن هو شيء آخر: دول كثيرة بدأت تتصرف على أساس أن الاعتماد على قوة واحدة لم يعد خياراً مريحاً. خلال الفترة الأخيرة ظهرت تحركات تستحق التوقف عندها. الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان مثال واضح، ومصر توسع علاقاتها مع الصين في وقت تحافظ فيه على علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والدول العربية. وفي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، اتجهت المباحثات إلى ملفات تتجاوز التجارة والاستثمار، لتشمل التعاون الأمني والتجارة بالعملات الوطنية ومراكز البيانات وأشباه الموصلات وسلاسل الإمداد. هذه التحركات لا تعني أن هذه الدول قررت تغيير معسكراتها. المسألة أبسط وأكثر واقعية: زيادة الخيارات. الدولة الصغيرة أو المتوسطة لا تملك ترف الدخول في صراع القوى الكبرى، لكنها تستطيع أن تقلل من حجم المخاطر التي يمكن أن تنتقل إليها من هذا الصراع. فإذا كان السلاح من مصدر واحد، والتمويل من مصدر واحد، والسوق من جهة واحدة، والتكنولوجيا مرتبطة بشركة أو دولة واحدة، فإن أي خلاف سياسي أو أزمة دولية يمكن أن تتحول سريعاً إلى مشكلة داخلية. لهذا يصبح تنويع العلاقات نوعاً من التأمين. ليس المقصود قطع العلاقة مع أحد، وإنما ألا يصبح طرف واحد قادراً على التحكم في أهم مفاصل الدولة. وهنا أظن أن مصطلح التحوط السيادي يفسر جانباً من التحول الذي نشهده. فالدول لا تنتظر تغير النظام الدولي حتى تتحرك؛ هي تتحرك تحسباً له. تنظر إلى السنوات المقبلة، وتريد أن تعرف ماذا ستفعل إذا تغيرت الأسواق، أو ارتفعت كلفة التمويل، أو تعطلت سلاسل الإمداد، أو تغيرت التحالفات، أو أصبحت التكنولوجيا نفسها ورقة ضغط. الأمر يشبه إدارة المخاطر في الاقتصاد، لكن على مستوى الدولة. لا تضع كل استثماراتك في مكان واحد، ولا تجعل مصدراً واحداً ضرورياً لبقاء منظومتك كلها. ومن هنا قد يكون من الخطأ اختزال التحول الجاري في سؤال: هل ستبقى أميركا القوة الأولى أم ستصبح الصين القوة الأولى؟ ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو: كم دولة تستطيع اليوم أن تتحرك بين أكثر من مركز قوة من دون أن تفقد مصالحها أو قرارها؟ إذا اتسعت هذه المساحة، فإن العالم يتغير حتى لو بقيت الولايات المتحدة قوة كبرى، وحتى لو استمرت الصين في صعودها. فالنظام الدولي لا يتغير فقط عندما تسقط قوة وتصعد أخرى؛ أحياناً يتغير عندما تصبح أمام الدول طرق أكثر مما كانت تملك من قبل. وبالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة، قد لا يكون امتلاك قوة كبيرة أمراً متاحاً، لكن امتلاك أكثر من خيار ممكن. وهذا هو جوهر التحوط السيادي: أن تبقى للدولة قدرة على الحركة عندما تتغير الظروف.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓