تلوث التحليل وحرب الوعي: كيف تحولت شاشاتنا إلى ساحة تضليل؟
في كل أزمة جيوسياسية تشهدها المنطقة، وتحديداً مع تصاعد حدة الصراع الأميركي - الإيراني وتداعياته المباشرة على أمن الخليج واستقرار العالم، تفتح القنوات الفضائية والمنصات الرقمية أبوابها على مصراعيها لسيل لا ينتهي من «المحللين الاستراتيجيين». المشكلة هنا ليست في تعدد الآراء وتنوع زوايا النظر، فتعدد وجهات النظر حالة صحية، بل تكمن المشكلة في غياب معايير التحليل العلمي والمنهجي والتضخم السرطاني لأعداد الضيوف على حساب القيمة والمعرفة. بدلا من أن يستفيد المتابع لبناء صورة واقعية وموضوعية، يجد نفسه غارقا في حالة من الإرباك الفكري والتشتت. يمكن تفكيك مشاهد هذا الواقع في القنوات العربية إلى ثلاث ظواهر رئيسة: 1- الاستسهال وتغييب التخصص: تحول التحليل السياسي من دمار علمي يعتمد على الوثائق والمؤشرات الميدانية والاقتصادية إلى مجرد «انطباعات شخصية». من هب ودب بات يحمل لقب «خبير استراتيجي»، ليقدم قراءات سطحية تجافي الحقيقة وتبيع الوهم للمشاهد. 2- الهرطقة ومظاهر الولاء للأجنبي: ظهور بعض المحللين العرب ممن يدافعون عن الرواية الإيرانية، إما نكاية بدولهم وإما كرها بدول الخليج وإنجازاتها وإما بسبب تبعية وأيديولوجية عابرة للأوطان، تجعل من طروحاتهم مجرد أضغاث أحلام. تحليل يبتعد تماما عن الواقع الصعب الذي تعيشه إيران داخليا وإقليميا، ويبشر بانتصارات وهمية لا توجد إلا في مخيلتهم. 3- التضليل الإيراني المنظم: الضيوف الإيرانيون الناطقون بالعربية يتميزون بالتدريب العالي على تسويق الخطاب الرسمي. هم ليسوا محللين مستقلين، بل أدوات في جهاز الحرب النفسية لتأجيج الموالين محليا، ومحاولة إضعاف معنويات الشارع الخليجي والعربي. ورغم فشل هذه المحاولات أمام وعي الشعوب، إلا أن استمرار إعطائهم مساحات مفتوحة بلا مواجهة علمية صارمة يمثل سذاجة إعلامية. كيف نعكس التأثير؟ من الدفاع السلبي إلى الهجوم الفكري استمرار الانزعاج من الرواية الأخرى لا يكفي، والحل ليس بالإغلاق أو التذمر، بل بتبني استراتيجية إعلامية هجومية قائمة على الكفاءة التأثيرية: 1- إعادة هيكلة «صناعة الضيف» في الإعلام العربي • الانتقائية والنوعية: المطلوب هو الحد من كثرة المحللين والتركيز على الكيف لا الكم، إذ يكمن الحل في الاعتماد على مراجع موثوقة ومراكز أبحاث متخصصة تستند على أدلة ومعطيات اقتصادية وعسكرية دقيقة، بدلا من إغراق الشاشات بعشرات الاستضافات اليومية. • إلغاء منصات التضليل المجاني: ليس المطلوب منع الآراء المخالفة، بل الحذر من تحويل القنوات إلى منصات بث مباشر لدعاية الحرس الثوري. إذا تم استضافة محلل يسوق أطروحات كاذبة، يجب أن يكون المحاور أو المحلل المقابل مسلحاً بالحقائق الميدانية والأرقام لفك الخطاب المضلل في حينه بدلا من ترك الساحة له. 2- اختراق الداخل الإيراني (الإعلام الموجه) إنشاء قنوات ومحطات إذاعية ومنصات رقمية متطورة بلغات متعددة، وخاصة الفارسية، يعد خطوة ضرورية ولها أثر استراتيجي: • مخاطبة الشعب الإيراني بلغته: الماكينة الإعلامية لطهران تسعى لتأجيج الشارع العربي، بينما يعاني الداخل الإيراني من أزمات اقتصادية واجتماعية وانقسامات عميقة. كسر العزلة عن الشعب الإيراني وإيصال الحقائق له بالفارسية يضعف السردية الرسمية للنظام من الداخل. • تفكيك خطاب الدعاية: الإعلام الموجه بالفارسية لا ينبغي أن يكون إعلاما شاتما، بل إعلاما محترفا يقدم الحقائق، الأرقام الاقتصادية، والتحليلات الموضوعية التي يكتمها الإعلام الحكومي في طهران. 3- الاستثمار في «صناعة المحلل الوطني المتمكن» بدلا من استيراد تحليلات جاهزة أو الاعتماد على الهواة، هناك حاجة إلى بناء وإبراز كفاءات وطنية وعربية تمتلك أدوات التحليل السياسي والعسكري، واللغات الأجنبية، والقدرة على السجال الهادئ والمفحم أمام الإعلام الموجه. نحو وعي ناهض الحرب اليوم ليست مجرد صواريخ وطائرات مسيرة، بل هي حرب معاني وإرادات. إن وعي المتابع هو الجبهة الأولى، والتخلي عن العشوائية في الاستضافات الإعلامية بات ضرورة أمن وطني وخليجي وإعلامي. حان الوقت لفلترة المنصات، والاهتمام بالتحليل الرصين، وانتقال الإعلام العربي من موقف المدافع أو المتفرج إلى موقف المبادرة والتأثير.