الرقم صحيح… لكنه خطأ
قد يكون الرقم حقيقياً إلى آخر فاصلة عشرية، ثم يقودنا إلى حكم خاطئ. فالأرقام لا تفقد براءتها حين تُزوَّر؛ قد تفقدها حين تُنتزع من الظروف التي أعطتها معناها، وتُكلَّف بالإجابة عن سؤال لم تُجمع من أجله. ولست أستخدم «الحقيقي» و«الصحيح» بمعناهما الرياضي، بل أفرّق بين صدق المعلومة وصحة الاستدلال بها: فالحقيقة صفة للمعلومة، أما الصحة فصفة للعلاقة التي نصنعها بينها وبين النتيجة. قد يسجل سعر برميل النفط ارتفاعًا حقيقيًا، لكن الاستدلال منه على تحسن الميزانية العامة ليس صحيحاً على إطلاقه. فالأثر يتوقف على حجم الإنتاج، وسعر التعادل، والمصروفات والالتزامات والفترة المقيسة. الرقم لم يكذب، لكننا حمّلناه شهادةً في قضية لم يسمع بقية شهودها. وهنا تبدأ مشكلة العقل الذي يرى القيمة، ولا يرى النظام الذي تعمل داخله. وقد صنع الإحصائي فرانسيس أنسكومب أربع مجموعات بيانات تحمل متوسطات وتباينات وارتباطات متشابهة، بينما كشفت رسومها أربعة أنماط مختلفة بوضوح.[1] لم تكن الحسابات خاطئة؛ كان الاكتفاء بها هو الخطأ. ولهذا لا تجعل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية جودة الإحصاء مرادفةً للدقة وحدها، بل تضم إليها الملاءمة والمصداقية والتوقيت وقابلية التفسير والاتساق.[2] فالرقم الدقيق قد يكون قليل القيمة إذا أُجيب به عن السؤال الخطأ. ولا تقف القاعدة عند الأرقام: صورة حقيقية قد تكون مقتطعة، وعبارة صحيحة قد تُنزع من سياقها، وعرض مرضي حقيقي لا يكفي لتشخيص المرض، ونص قانوني صحيح قد لا ينطبق على الواقعة. وقد بيّن تفيرسكي وكانيمان أن عرض النتائج نفسها بصيغ مختلفة يغيّر اختيارات الناس.[3] لم تتغير المعلومة؛ تغيرت نافذة النظر إليها، فتغير الحكم. وهكذا قد يصدق الجزء، بينما تكذب الصورة التي صنعناها منه. ولذلك يجيء قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى? أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. ونقل الطبري في تفسيرها رد الخبر إلى العلماء، ووصف المستنبطين بأنهم الذين يفحصون عنه.[4] وفي ذلك معنى: وصول المعلومة لا يساوي امتلاك دلالتها. فالمعلومة حق للجميع، أما تحويلها إلى حكم تخصصي فمسؤولية لها أدوات؛ لأن الخبر يصل دفعة واحدة، لكن معناه لا يُستخرج إلا بعد السؤال عما حوله. لهذا أقترح معيارًا لصحة الاستدلال بالمعلومة: حقيقة المصدر، ودقة الدلالة، واكتمال السياق، وحضور العوامل المؤثرة، وصلة المعلومة بالسؤال، ثم تناسب النتيجة مع ما تثبته. فإذا اختل أحدها، وجب تعليق الحكم أو تقييده بحدود ما نعرف. فأخطر الأحكام ليست تلك التي بُنيت على الأكاذيب؛ بل تلك التي أقامتها حقيقة وحيدة بعد أن غاب عنها سائر الحقيقة. والمعلومة الحقيقية لا تصبح حكماً صحيحاً لمجرد أننا وجدناها أولاً.