جدة تجمعنا
هناك في جدة الحبيبة، التي أعشقها وأحفظ شوارعها وأحب أهلها، تتجه أنظار الخليج اليوم إلى عروس البحر الأحمر، حيث تلتقي منتخباتنا وشبابنا في عرس كروي جديد، هو «خليجي 27». جدة التي تفتح ذراعيها لأشقائها الخليجيين، تستقبل البطولة للمرة الأولى في تاريخ كأس الخليج، في مشهد يتجاوز حدود كرة القدم ونتائج المباريات. وتقام منافسات البطولة في جدة خلال الفترة من 23 سبتمبر حتى 6 أكتوبر 2026، بمشاركة منتخبات الخليج الثمانية. ولعل أجمل رسالة يمكن أن تصل إلى العالم من هذه البطولة العزيزة على قلب كل كويتي، في ظل ما يحيط بمنطقتنا والعالم من ظروف سياسية، هي رسالة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: مصيرنا واحد… وشعبنا واحد. وهي ليست مجرد كلمات نقولها في مناسبة رياضية، بل حقيقة راسخة في وجداننا الخليجي، عبّرت عنها بطولة الخليج منذ انطلاقتها الأولى. نعم، قد نختلف في تشجيع المنتخبات، وقد يفرح هذا الجمهور ويحزن ذاك ، لكننا في النهاية أبناء منطقة واحدة وفريج واحد ، تجمعنا الجغرافيا والدين والتاريخ والعادات واللغة والدم والمصير المشترك. وهذه هي خصوصية كأس الخليج. فمنذ أن انطلقت البطولة الأولى في البحرين عام 1970، بأربعة منتخبات هي الكويت والبحرين والسعودية وقطر، لم تكن الحكاية مجرد كرة تُركل داخل الملعب. كان الهدف الاسمى ان يلتقي أبناء الخليج، ويتعارفوا، ويتنافسوا ويطوروا أنفسهم، ثم يعودوا إلى أوطانهم بذكريات جديدة وصداقات جديدة. في البطولة الأولى أقيمت 6 مباريات، سجل خلالها 19 هدفًا، وتوجت الكويت باللقب، بينما تقاسم الكويتيان محمد المسعود وجواد خلف لقب الهداف بثلاثة أهداف لكل منهما. ومنذ ذلك اليوم، كبرت البطولة وكبر معها الحلم الخليجي. تعاقبت الأجيال، وتغيرت الملاعب، وتطورت كرة القدم، وظهرت أسماء أصبحت جزءًا من ذاكرة الخليج. ومن بين هذه الأسماء يبقى اسم أسطورة الكرة الكويتية جاسم يعقوب حاضرًا بقوة. فالمرعب جاسم يعقوب لا يزال الهداف التاريخي لكأس الخليج برصيد ثمانية عشر هدفًا، رقم بقي شامخًا في سجل البطولة لعقود وما زال صامدًا. لكن، بالنسبة لي، أجمل أرقام كأس الخليج ليست دائمًا تلك الموجودة في جداول الهدافين، ولا عدد البطولات التي حققها كل منتخب. أجمل رقم هو عدد القلوب الخليجية التي تلتقي. أن يأتي الشاب الكويتي إلى جدة، ويلتقي بأخيه السعودي والإماراتي والقطري والبحريني والعماني واليمني والعراقي، يجلسون معًا، يتحدثون، يضحكون، يختلفون في كرة القدم ويتفقون في المحبة… فهذا في حد ذاته بطولة. وهذا والله هو الفوز الكبير. نعم، نحن بحاجة إلى مثل هذه اللقاءات. بحاجة إلى أن يرى شباب الخليج بعضهم بعضًا، لا عبر شاشات الهواتف ولا من خلال قنوات التلفاز والمحطات الفضائية، وإنما في الملاعب والمقاهي والطرقات والفعاليات والمدرجات. ولهذا فإنني أرى أن الفوز الحقيقي أن يجتمع شباب الخليج في مكان واحد. أن تزداد المعرفة وتتقارب المسافات. أن تتحول المنافسة الرياضية إلى جسور من المحبة. أن نهتف لمنتخباتنا، لكننا في نهاية المباراة نتصافح ونتعانق ونبارك للفائز. هكذا تعلمنا كأس الخليج، وهكذا نريدها أن تبقى. ولهذا أسسها الآباء والأجداد. وجدة الحبيبة، في رأيي، المكان المثالي لهذه الرسالة فجدة بالفعل غير. هذه المدينة التي عرفت منذ قرون معنى استقبال القادمين، والتي تمتلك البحر والتاريخ والكرم والأسواق والناس والروح الجميلة، تستقبل اليوم أشقاءها الخليجيين تحت شعار «أهلًا بالخليج»، في نسخة تحمل خصوصية إضافية باعتبارها أول استضافة للبطولة في جدة. ومن هنا، ومن هذه الدريشة، أود أن أطرح فكرة أتمنى أن يأتي يوم نراها واقعًا قريبًا بإذن الله ورسالة اتمنى ان تجد صدى عند كل ابناء الخليج العربي الواحد: نريد أن تكون رحلتنا إلى خليجي القادمة، خليجي 28 بالقطار. نعم… بالقطار وليس بالطائرة أو السيارة. لدينا مشروع سكة حديد خليجي يمتد من الكويت مرورًا بالسعودية ودول المجلس وصولًا إلى مسقط، ويبلغ طول مساره نحو 2117 كيلومترًا، مع سرعة متوقعة لقطارات الركاب تقارب 220 كيلومترًا في الساعة. ومن هنا أتوجه بكل محبة وتقدير وفخر إلى القائمين على إنشاء هذا القطار الخليجي: نريد أن نحضر للبطولة القادمة بالقطار. تخيلوا المشهد… قطار خليجي ينطلق من الكويت، ويحمل معه جماهير الأزرق، ويلتقي في محطاته بجماهير الأشقاء العزيزين على القلب: السعودية والإمارات وقطر والبحرين وعُمان، ثم تتجه القلوب كلها إلى مدينة خليجية تستضيف البطولة. لن تكون الرحلة مجرد وسيلة انتقال. ستكون جزءًا من البطولة نفسها. سنرى أعلام الخليج في القطار، وسنسمع الأغاني والهتافات والأهازيج والشيلات. سيتبادل الشباب الأحاديث والقصص والذكريات، وسيجلس المشجع الكويتي إلى جوار مشجع سعودي، وإماراتي إلى جوار عماني، وقطري إلى جوار بحريني واليمني إلي جانب العراقي وربما تبدأ صداقات جديدة قبل أن تبدأ المباراة. بل أتصور أن القطار نفسه يمكن أن يتحول إلى كرنفال خليجي متنقل؛ يحمل الجماهير وثقافتنا وأهازيجنا وأعلامنا وذكرياتنا. تختلط فيه الحلوى العمانية والرهش الكويتي وحلوة شويطر البحرينية والكليجة النجدية السعودية والخبيصة القطرية والبثيثة الإماراتية والقيمر العراقي والعسل الدوعني اليمني. وما أجمل أن يكون الطريق إلى خليجي 28 حكاية خليجية بحد ذاته؛ نعيش تفاصيلها منذ لحظة مغادرة المحطة، ونصل إلى الملعب وقد سبقتنا المحبة قبل أن تبدأ المنافسة. أن تبدأ الفرحة في محطة القطار، وتستمر في الطريق، وتصل إلى الملعب، ثم تعود الجماهير إلى أوطانها وهي تحمل معها ذكريات أجمل، وصداقات جديدة، وحكايات لا تنسى. جدة الحبيبة عروس البحر الأحمر تجمعنا اليوم. وكأس الخليج تجمعنا منذ أكثر من نصف قرن. ولعل قطار الخليج، عندما يكتمل، يكون هو الآخر وسيلة جديدة ليقول لنا ولأبنائنا: مصيرنا واحد وشعبنا واحد. وأتخيل أن هذا القطار الذي ينطلق من الكويت، لا يتوقف عند حدود الخليج، بل يكون في المستقبل جسرًا أوسع لأشقائنا وأهلنا. أن يأتي أبناء العراق إلى الكويت، ويستقلوا القطار مع إخوانهم الكويتيين، وينطلقوا معنا في رحلة خليجية عنوانها المحبة والأخوة. وأن يأتي أشقاؤنا من اليمن المحرر باذن الله عبر جيزان الحبيبة، ويلتقوا بإخوانهم الخليجيين، ثم يركبوا القطار الخليجي، لتصبح الرحلة نفسها مناسبة للقاء والتعارف وتبادل الذكريات. وكما قال الراحل الكبير مهندس الكلمة، الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن في جدة: وكل ما أسافر لجدة.. اللي فيها القلب ساكن ترجع سنين القصيد ترجع وجوه اللي غابوا من الصحاب في مرايا الموج.. في ورق الضباب وكل ما جا الطاري في عرس وخطوبة قلنا من هي العروس؟ قالوا: جدة.. جدة يا وهج الشموس وهكذا هي عروس البحر الأحمر جدة … مكانٌ يجمع من نحب، واليوم تجمع الخليج كله. فما أجمل أن تتحول الكلمات التي نرددها في المدرجات إلى واقع نعيشه في حياتنا، وأن تصبح جدة في كل مرة محطة للفرح، وملتقى للأشقاء، وبيتًا مفتوحًا لكل أهل الخليج. ومن جدة، عروس البحر الأحمر، أتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى الشقيقة الكبرى، المملكة العربية السعودية، ملكًا وحكومةً وشعبًا، بمناسبة اليوم الوطني السعودي. كل عام والمملكة العربية السعودية بخير وعز وأمن وأمان. كل عام وانت أهلنا وامتدادنا وعزوتنا ونسأل الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وأهلها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، ويحفظ أرضها وشعبها من كل مكروه، وينصرها على كل من عاداها، ويديم عليها عزها ومجدها ورخاءها. وكل عام وجدة الحبيبة بخير… وكل عام والخليج أقرب إلى بعضه بعضًا. ومن جدة، نقولها من القلب: مصيرنا واحد وشعبنا واحد يَعيش.. يَعيش.. فاليعيش اللهُ أكبرْ يا خليجًا ضَمَّنا