ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم مايا إبراهيم

حين صار كل شيء قابلًا للاستبدال

لم تعد المشكلة في أننا نملك أشياء أكثر، بل في أننا صرنا نتعامل مع الأشياء والناس بالمنطق نفسه: إذا لم يعد الشيء يرضينا، نستبدله. وإذا لم تعد العلاقة تناسبنا، نبحث عن غيرها. ربما لم ننتبه إلى اللحظة التي انتقلت فيها ثقافة الاستهلاك من المتاجر إلى حياتنا اليومية، ومن الأشياء التي نشتريها إلى العلاقات التي نبنيها. صار الاستبدال أسهل من الإصلاح، والرحيل أسرع من المحاولة، والبحث عن البديل أقل كلفة من منح ما لدينا فرصةً أخرى. في زمنٍ مضى، كان الشيء الذي يتعطّل يُصلَح. قطعة أثاث قديمة تُرمَّم، وثوب يُرقَّع، وجهاز يتوقف عن العمل يُرسل إلى من يعرف كيف يعيده إلى الحياة. لم يكن كل عطل إعلانًا عن نهاية الشيء، ولا كل نقص سببًا كافيًا للتخلّي عنه، ولم تكن العلاقات مختلفة تمامًا. كان الخلاف بين صديقين يعني جلسةً طويلة، وعتبًا، ومحاولةً للفهم. وكان سوء التفاهم بين أفراد العائلة يحتاج إلى وقت حتى يهدأ، ثم تعود المسافة إلى مكانها. وحتى العلاقات التي تتعثر، كان يُمنح بعضها فرصةً، لأن الإنسان لم يكن ينظر دائمًا إلى الآخر باعتباره نسخةً قابلةً للاستبدال. أما اليوم، فقد أصبح كل شيء أسرع. نشتري الجديد قبل أن ينتهي عمر القديم، ونبدّل ما لا يعجبنا بدل أن نسأل إن كان يحتاج إلى إصلاح. ننتقل من مكان إلى آخر، ومن عمل إلى آخر، ومن دائرة أصدقاء إلى أخرى. وحتى في العلاقات الإنسانية، أصبح بعض الناس يتعامل مع الخلاف كما لو أنه عيب تصنيع يستوجب البحث عن منتج آخر. تغيّر السؤال. بدل أن نسأل: «كيف يمكن أن نصلح ما بيننا؟» أصبحنا نسأل: «هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟» وبدل أن نقول: «ربما يحتاج هذا الشيء إلى فرصة أخرى»، نقول ببساطة: «هناك بديل أفضل». ولا يعني ذلك أن التمسك دائمًا فضيلة. هناك أشياء ينبغي أن نتركها، وعلاقات يصبح الرحيل منها حمايةً للنفس، وأماكن لا يعود البقاء فيها ممكنًا، وأشخاص لا تنفع معهم كل محاولات الإصلاح. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الاستبدال ردّ الفعل الأول، لا الحل الأخير. حين لا نعود نحتمل عيبًا بسيطًا في شيء، ولا اختلافًا بسيطًا في إنسان، ولا فترةً صعبة في علاقة. حين يصبح الصبر عبئًا، والتنازل خسارة، وإعطاء الفرصة سذاجة. وربما أسهمت التكنولوجيا في تكريس هذه العقلية من دون أن نشعر. كل شيء تقريبًا صار قابلًا للتحديث والاستبدال بنقرة: هاتف جديد، تطبيق جديد، صورة جديدة، حساب جديد، دائرة جديدة. حتى العلاقات أصبحت تحمل شيئًا من منطق الشاشة: متابعة أو إلغاء متابعة، قبول أو حذف، حضور أو حظر. وهكذا تسللت لغة الخيارات إلى أعمق مناطق حياتنا. صرنا نعيش وكأن أمامنا دائمًا قائمة طويلة من البدائل، وكأن كل إنسان يمكن أن يُستبدل بآخر، وكل علاقة يمكن تعويضها بأخرى، وكل مكان يمكن العثور على ما يشبهه في مكان مختلف. لكن الإنسان ليس منتجًا على رف، والعلاقة ليست جهازًا انتهت صلاحيته، والذكريات لا تُستبدل بسهولة بما هو أحدث. الأخطر أن هذه العقلية قد تجعلنا أقل قدرة على بناء الأشياء التي تحتاج إلى وقت حتى تصبح ثمينة. فالعلاقات العميقة لا تولد كاملة، والصداقات الحقيقية تمرّ بالاختلاف والمصالحة، والعائلة نفسها لا تخلو من سوء الفهم. حتى الإنسان الذي نحبه اليوم لم يكن بالضرورة الأسهل في حياتنا منذ البداية. هناك أشياء لا تصبح جميلة لأنها خالية من العيوب، بل لأننا عشنا معها طويلًا بما يكفي لنعرف قيمتها. وهناك أشخاص لا يصبحون جزءًا من حياتنا لأنهم كانوا دائمًا مثاليين، بل لأننا مررنا معهم بما يكفي من الأيام حتى أصبح وجودهم مرتبطًا بجزء من قصتنا. لكن حين تصبح ثقافة الاستبدال هي القاعدة، نفقد شيئًا آخر أكثر أهمية: القدرة على الترميم، والترميم ليس خاصًا بالأشياء. نحن نحتاج إلى ترميم بعض العلاقات، وترميم الثقة، وترميم الصداقات، وحتى ترميم علاقتنا بأنفسنا بعد فترات لم نكن فيها كما نريد. ليس كل ما انكسر انتهى، وليس كل ما تغيّر فقد قيمته، وليس كل ما أصبح قديمًا أصبح بلا معنى. ربما نحتاج فقط إلى أن نتوقف قليلًا قبل أن نبحث عن البديل، وأن نسأل أنفسنا: هل انتهى فعلًا، أم أننا لم نعد نملك الصبر الكافي لإصلاحه؟ ففي عالمٍ يغرينا كل يوم بالجديد، قد يصبح الحفاظ على شيءٍ قديم موقفًا في حد ذاته. وقد تكون بعض الأشياء التي نستعجل استبدالها هي نفسها الأشياء التي كان يمكن أن تصبح، لو منحناها الوقت، أكثر قيمة من كل ما قد يأتي بعدها. لأن الحياة لا تُبنى كلها من الأشياء المثالية، بل من الأشياء التي اخترنا أن نبقى معها، وأن نصلحها، وأن نعطيها فرصةً أخرى. وربما لا تكون المشكلة في كثرة البدائل من حولنا، بل في أننا نسينا قيمة الشيء الذي لا بديل له. فليست كل خسارة تحتاج إلى بديل… وبعض ما نتركه لا يمكن أن يعيده إلينا أي جديد.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓