حين تصبح الأمانة أكبر من أصحابها
كانت الأمانة، في زمنٍ مضى، شيئًا له هيبته. مفتاحٌاً يُسلَّم إلى يدٍ موثوقة، ومالاً يُودَع عند من يُؤتمن عليه، وسرّاً يُقال مرةً واحدة ثم يُغلق عليه صاحبه قلبه قبل فمه. وحتى حين كان الناس يتبادلون الأمانات، كانت هناك علاماتٌ وعهودٌ تجعل للتسليم معنى، وللحفظ مسؤولية، وللخيانة ثمنً يتجاوز خسارة الشيء نفسه. لم تكن الأمانة يومًا مجرد أن تحفظ ما ليس لك، بل أن تدرك أن ما وُضع بين يديك أصبح عهدًا في عنقك. ولعل إحدى أبلغ الصور التي تختصر هذا المعنى اليوم، حكاية د. أديب جواد جودة الحسيني، أمين مفتاح كنيسة القيامة في القدس؛ إذ تحمل عائلة جودة الحسيني هذه الأمانة منذ عام 1187، حين أوكل إليها صلاح الدين الأيوبي حفظ مفتاح الكنيسة بعد استعادة القدس. والمفارقة التي تستوقفنا ليست في قِدَم المفتاح وحده، بل في أن عائلة مسلمة تحمل أمانة مفتاح كنيسة مقدسة لدى المسيحيين، وتحافظ عليها جيلاً بعد جيل. هنا يصبح المفتاح أكثر من قطعة تُمسك باليد. يصبح رمزًا للثقة. فدكتور أديب جواد جودة الحسيني لا يملك الكنيسة، ولا يملك قدسيتها، ولا يتعامل مع المفتاح باعتباره ملكًا شخصيًا؛ إنه يحمل أمانةً سبقت وجوده، وسيأتي بعده من يحملها. وهذا تحديدًا هو جوهر الأمانة: أن تعرف أن بعض ما يصل إليك ليس لك، وأن قيمتك لا تكون في امتلاكه، بل في صيانته. والأمانة ليست مفتاحًا فقط. هي سرٌّ لا نكشفه حين تتغير علاقتنا بصاحبه، ومالٌ لا نمدّ إليه يدًا لأن صاحبه وثق بنا، ووعدٌ لا ننساه عندما يصبح الوفاء به مكلفًا، وصداقةٌ لا نبيعها عند أول خلاف، ومسؤولية لا نحولها إلى امتياز لمجرد أنها أصبحت في أيدينا. الأمانة الحقيقية تبدأ حين تنتهي المصلحة. فما أسهل أن يكون الإنسان أمينًا عندما يكون في حفظ الأمانة منفعة له، وما أصعب أن يحفظها حين يستطيع أن يخونها ولا يراه أحد. ولذلك كانت الأمانة قديمًا تُختبر بالزمن. فالمفتاح لا يثبت صاحبه أمينًا لأنه حمله يومًا، بل لأنه أعاده أو سلّمه كما اؤتمن عليه. والسر لا يبقى سرًا لأننا وعدنا بحفظه، بل لأن السنوات لم تستطع أن تنتزع الكلمة من أفواهنا. والوعد لا يصبح عهدًا لأننا نطقنا به، بل لأننا ظللنا أوفياء له حين تغيّرت الظروف. وهنا تكشف لنا حكاية مفتاح كنيسة القيامة معنى آخر أكثر اتساعًا: أن احترام مقدّس الآخر جزء من احترام الإنسان نفسه. أن تكون مسلمًا وتحمل أمانة مفتاح كنيسة مسيحية لا يجعل الاختلاف حاجزًا، بل يجعل الأمانة جسرًا. أنت لا تحرس ما يخصك، بل ما ائتُمِنت عليه. ولا تصون المكان لأنه لك، بل لأن من حولك وثقوا بك في حفظه. كم نحتاج إلى هذه الروح اليوم. في زمنٍ أصبح فيه الاختلاف سببًا سريعًا للخصومة، ربما تذكّرنا هذه الأمانة بأن الإنسان يستطيع أن يحترم ما يقدّسه غيره، وأن يكون أمينًا على ما لا يشبهه، وأن يرى في اختلاف الآخر حقًا يستحق الحماية لا سببًا للهدم. لكن المفارقة المؤلمة أن الأمانات الصغيرة في حياتنا اليومية أصبحت أكثر هشاشة. نأتمن شخصًا على سر، فيتحول السر إلى حديث. نمنح صديقًا ثقة، فتسقط عند أول خلاف. نسلّم شخصًا مسؤولية، فيتعامل معها كأنها حق شخصي. نترك في يد أحدهم شيئًا يخصنا، فنكتشف أن بعض الناس لا يرون في الأمانة إلا فرصة. وكأننا نسينا أن الإنسان لا يُقاس بما يستطيع أن يأخذ، بل بما يستطيع أن يحفظ. ربما لهذا تبدو بعض القصص القديمة أكثر حداثة مما نظن. فالمفتاح الذي ظلّ ينتقل من يد إلى يد، يقول لنا شيئًا بسيطًا وعميقًا: ليست كل الأشياء التي تصل إلينا قد أصبحت ملكًا لنا. بعضها يصل إلينا لكي نحرسه. سرٌّ يصل إلى قلبنا لنصونه. ثقةٌ تصل إلى يدنا لنحفظها. عهدٌ يصل إلى ذمتنا لنفي به. ومسؤوليةٌ تصل إلى موقعنا لنؤديها ثم نسلّمها لمن يأتي بعدنا. وهنا ربما يكمن الفرق بين الإنسان الذي يحمل الأمانة والإنسان الذي يستولي عليها. الأول يعرف أنه عابر، وأن الأمانة باقية. أما الآخر فيتصرف وكأن ما وُضع بين يديه صار جزءًا من ملكه. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من أمانة مفتاح كنيسة القيامة أن الإنسان قد لا يترك وراءه شيئًا يملكه، لكنه يستطيع أن يترك وراءه شيئًا صانه. وهذا في حد ذاته إرث. فالأمانة ليست في الشيء الذي نحمله، بل في الطريقة التي نحمله بها. وقد لا يحتاج العالم اليوم إلى كلمات كثيرة عن الثقة بقدر ما يحتاج إلى أشخاص يمكن الوثوق بهم. أشخاص إذا أُعطي أحدهم مفتاحًا لم يفتح به ما لا يحق له فتحه، وإذا أُودع سرًا لم يحوله إلى قصة، وإذا أُعطي مالًا لم يعتبره غنيمة، وإذا قيل له عهد لم ينسه عندما تتغير المصلحة. لأن الأمانة في النهاية ليست أن يقول الناس عنك إنك أمين، بل أن يظل الشيء الذي ائتُمنت عليه سالمًا حين يعود إلى صاحبه. وربما لهذا لا تكون قيمة د. أديب جواد جودة الحسيني في أنه يحمل مفتاحًا عمره قرون فحسب، بل في المعنى الذي أصبح المفتاح يحمله معه: أن بعض الأمانات تكون أكبر من أصحابها، وأن أعظم ما يستطيع الإنسان أن يفعله أحيانًا ليس أن يمتلك، بل أن يحفظ. فما نملكه يرحل معنا أو يرحل عنا، أما ما نصونه فقد يبقى بعدنا. وهذا هو المعنى الذي كدنا ننساه: أن الأمانة ليست شيئًا نحتفظ به لأنفسنا، بل شيئًا نحفظه لغيرنا.