ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم علي البلوشي

بين التأمل والطمأنينة

ليس كل ما لا يُذكر يُنسى، فبعض المحطات تُحذف عمدًا لتدعونا إلى التأمل. وعند التأمل في آيات الخلق، ندرك أن القرآن لا يخاطب عقولنا بالمعلومات فقط، بل يوقظ قلوبنا بالمعاني، ويعيد ترتيب وعينا بذواتنا وبمصيرنا الذي كثيرًا ما نغفل عنه. ••• ••• قال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ • ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ • ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ • ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ • ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ •» سورة المؤمنين كم هي بليغة هذه الآيات رغم إيجازها لذلك قالوا البلاغة في الإيجاز.. فالآيات لخصت حياة الإنسان من خلقه إلى بعثه عندما كنتُ مستمعًا لهذه الآيات من سورة المؤمنين، أدركتُ أن النظر إليها لا ينبغي أن يقتصر على تسلسل مراحل تكوين الإنسان زمنيًا، بل يتجاوز ذلك إلى مقصدها الإيماني والتربوي العميق. فالقرآن لم يسرد مراحل الخلق لمجرد البيان وإنما ليعيد الإنسان إلى أصل قصته، ويذكّره بحقيقته الأولى كيف بدأ ضعيفًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ثم تدرّج في الخلق بعناية إلهية محكمة، حتى صار إنسانًا كامل الهيئة والروح. واللافت أن الآيات رغم تفصيلها لمراحل الخلق، لم تذكر مرحلة الدنيا، مع أنها الأطول زمنًا في حياة الإنسان. وهذا الحذف لم يكن سهوًا، بل بلاغة مقصودة.. لأن المقصود ليس العمر الذي نعيشه، بل القدرة التي أنشأت هذا الخلق من عدم، ثم ستُنهيه وتعيده من جديد. فالدنيا مرحلة اختبار وتكليف يعيشها الإنسان بوعيه واختياره، أما الخلق والموت والبعث فهي محطات قهرية خاضعة لإرادة الخالق وحده. ولهذا انتقلت الآيات مباشرة من الخلق إلى الموت، ثم إلى البعث، لتضع الإنسان أمام الحقيقة الكبرى دون فواصل تُلهيه إن ما بين البداية والنهاية مسؤولية لا غفلة، وأمانة لا عبث. فالقرآن اختصر الدنيا، لا لأنها بلا قيمة بل لأنها قصيرة في ميزان الآخرة، ولأنها تُقاس بما يُنجز فيها لا بطول البقاء خلالها. وتعلّمنا هذه الآيات أن معرفة الإنسان بنفسه لا تكون بمعرفة اسمه أو مكانته، بل بمعرفة من خلقه ولماذا خُلق، وإلى أين المصير، ومن وعى بدايته استقام مساره، ومن تذكّر نهايته أحسن عيش دنياه ••• ••• من عرف بدايته تواضع لله، ومن استحضر نهايته تهيّأ لها، ومن جمع بينهما عاش متوازنًا متواضعًا في دنياه. فهذه الآيات لا تُخبرنا كيف خُلقنا فحسب، بل تُعلّمنا كيف نعيش وماذا ينبغي أن نحمل معنا حين نغادر هذه الدنيا المختصرة في لفظها، العظيمة في امتحانها.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓