ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

هل كل اعتذار أدب؟

هناك اعتذارات لا تطلب الصفح؛ بل تطلب الإذن لصاحبها أن يكون موجوداً. نكتبها قبل السؤال، ونقولها قبل الحاجة، ثم نظن أننا هذّبنا العبارة، بينما نكون قد أصدرنا الحكم على أنفسنا قبل أن يسمعنا أحد. «آسف على الإزعاج»، «أدري أني ثقيل»، «إذا ما عليك أمر»؛ ثلاث عبارات صغيرة، لكنها قد تحمل اعترافاً أكبر من الطلب: أن وقت الآخر نفيس، ووقتنا فائض؛ وأن حاجته طبيعية، وحاجتنا عبء. وليس المقصود مصادرة الذوق، فالاعتذار واجب حين يقع الضرر، واللطف فضيلة حين نطلب معروفاً؛ إنما السؤال: لماذا نعتذر لمجرد أن لنا حاجة مشروعة؟ المفارقة أن الاعتذار الزائد ليس مذموماً في كل حال. فقد وجد بحث لأليسون بروكس وهينغشن داي وموريس شويتزر أن الاعتذار عن أمر لا يد للمرء فيه، كسوء الطقس، قد يزيد الثقة؛ لأنه يكشف تعاطفاً مع ضيق الآخر.[1] وهذه نتيجة دقيقة: الاعتذار يجمّل العلاقة حين يعترف بالشعور، لكنه يشوّهها حين ينفي مشروعية المتكلم. الفرق حرفي تقريباً، وأثره النفسي كامل. في كل طلب سؤالان صامتان: هل حاجتي مشروعة؟ وهل يستطيع الآخر تلبيتها؟ الاعتذار المبكر يجيب عن الأول بالنفي قبل أن يجيب المخاطَب عن الثاني. لذلك لا نصغّر الطلب فقط؛ بل نصغّر صاحبه قبل أن يبدأ الكلام. ومع التكرار تتحول العبارة إلى تدريب يومي على الانسحاب: موظف يعتذر عن معلومة يحتاجها ليعمل، وصديق يعتذر عن سؤال، ومريض يعتذر للطبيب عن وصف ألمه؛ كأن الحق في السؤال امتياز يمنحه مزاج السامع. وهنا تعمل اللغة كمرآة ثم كقالب: تبدأ بوصف هشاشتنا، ثم تعيد تشكيلها. فما نكرره مجاملة قد يستقر في وعينا مرتبةً اجتماعية. ولنا في خطاب موسى للخضر ميزان رفيع: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى? أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}. قال السعدي إنه سأله «على وجه الأدب والمشاورة»، وبيّن أن عبارته اشتملت على الإقرار بفضل المعلم.[2] لم يكن الأدب إلغاءً للسائل، ولا كان وضوح الحاجة انتقاصاً من المخاطَب؛ اجتمع التواضع مع حضور النفس، وهذا هو الفرق بين أدب يرفع الطرفين واعتذار يخفض أحدهما. الحل ليس أن نطرد الرقة من كلامنا، بل أن نضعها في موضعها: نقول «شكراً لوقتك» بدلاً من «آسف على إزعاجك»، نعرض الطلب واضحاً، ونترك للآخر حق القبول والرفض من غير أن نسبق رفضه بإدانة أنفسنا. فالذوق أن نحترم مساحة الآخر، لا أن نمحو أنفسنا منها. وليس كل من أكثر الاعتذار أكثر أدباً؛ فقد يكون أكثر تمرناً على الغياب.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓