حين يتحول التاريخ إلى رواية تخدم السلطة
تزوير التاريخ ليس وليد اليوم، فقد عرفت امتنا منذ عصور مبكرة محاولات لاعادة صياغة الماضي بما يخدم السلطة والمنتصر، ويجعل الجرائم والاسر والتعذيب والسبي تحت عناوين براقة مثل الفتوحات وملك اليمين وكأن تغيير الاسم يغير حقيقة الفعل والاخطر من تزوير التاريخ هو ان يتحول التزييف الى ثقافة تتوارثها الاجيال، حتى يصبح الفشل نصرا، والهزيمة بطولة والدمار مجدا. - فكيف اصبحت هزائم مصر في عهد عبد الناصر عند البعض انتصارات؟ - وكيف تحولت هزائم العراق وما تعرض له من حروب ودمار الى مادة للمجد والبطولة؟ - وكيف جرى تقديم ما حدث في ليبيا في عهد القذافي وما انتهت اليه البلاد من صراع وانقسام ودمار على انه مقاومة وانتصار؟ - وكيف يمكن ان يصبح تدمير غزة وتشريد اهلها في الخطاب السياسي عنوانا للمقاومة او النصر، بينما توثق الامم المتحدة حجم الدمار الهائل الذي اصاب مساكنها وبنيتها التحتية؟ والمسألة لا تتوقف هنا، فحتى عندما تتحول المدن الى ركام وتدمر البنية التحتية ويسقط المدنيون ويتهجر الناس نجد من يعيد صياغة المشهد بلغة الانتصار والمجد. وهنا يجب ان نسأل بوضوح: - الى اين تريد هذه العقليات ان تقود الامة؟ - وهل يصبح الدمار نصرا لمجرد اننا اطلقنا عليه اسم النصر؟ - وهل تصبح الهزيمة فتحا لمجرد ان المنتصر كتب روايته؟ لقد اصبح القرن الحالي شاهدا على خطورة تكييف التاريخ والواقع حسب الهوى السياسي. ولذلك فان مسؤوليتنا اليوم ان نعلم الاجيال ان التاريخ ليس نشيدا يمجد السلطة ولا رواية تكتبها الجهة المنتصرة وحدها، بل هو وقائع يجب ان تقرأ بعقل نقدي وان تقارن مصادرها، وان تسمى الاشياء باسمائها. ولقد تم تناول هذا الموضوع بإسهاب ووضوح، ولذلك فان تعليم الاجيال يجب ان ينتقل من التلقين الى التفكير، ومن تقديس الروايات الى فحصها، ومن تبرير الاخطاء الى الاعتراف بها. فالامم لا تنهض عندما تحول هزائمها الى انتصارات وهمية، ولا عندما تجعل من الدمار مجدا ومن المعاناة بطولة. الامم تنهض عندما تمتلك شجاعة النظر الى تاريخها كما كان لا كما تشتهي ان يكون. الحقيقة قد تكون مؤلمة، لكنها ارحم من تاريخ مزور يورث الهزيمة جيلا بعد جيل.