ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. عبدالله الحواج

الذكاء الاصطناعي .. مخاطر على مرمى حجر!!

لم يحدث ذلك اعتباطًا، أن تخرج الشائعات فجأة لتحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي خاصةً إذا تركناه يتصرف من دون توجيه، ولم يكن العالم مستعدًا لكي يستقبل هذه التحذيرات التي يدركها العلماء ويتقنها الخبراء، وتتعامل بها الشركات العملاقة والأجهزة الأمنية في الدول الكبرى. جاء التحذير مبالغًا فيه، والمخاطر الافتراضية متجاوزة لجميع التوقعات، فالتحذير يقول: ماذا لو تصرفت الآلة بمفردها؟ ما الذي يمكن أن يحدث لو تداخلت الإحداثيات وتضاربت الخوارزميات، وتم إرسال رسائل متعاكسة لخطوط الطيران وهي تُسَيِّر رحلاتها في السماء؟ بالتأكيد سوف نجد حربًا شعواء ما بين أساطيل الطائرات المدنية في الجو على غرار الطائرات الحربية، وبالتأكيد سوف تحدث فوضى عالمية عارمة أكثر شراسة من أي حرب ضروس على وجه الأرض، وبالتأكيد سوف نجد العالم كله يقف وعلى رأسه الطير ضاربًا أخماسًا في أسداس، يحاول الهروب من المستقبل المُر ولكن دون جدوى. هذه الرسائل المزعجة أقلقت مسامع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كلف بدوره فريقًا محترفًا من موظفي البيت الأبيض لكي يتلقفون الرسائل المتناقضة التي تبثها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأمر على الفور بحصرها. وبعد حالة من الصمت الرهيب، خرج الرئيس الأميركي ليطمئن العالم بأن الذكاء الاصطناعي سوف ينقل البشرية إلى التقدم السريع الباهر من دون أية مخاطر، أو أية حوادث، أو أية خوارزميات مضللة. وكأننا نقرأ المستقبل في الجامعة الأهلية بالبحرين عندما نظمنا مؤتمرًا عن الدكتوراة في الإعلام الرقمي، ثم أجرينا مناظرة بين فريقين مختلطين من العلماء وعدد من الطلبة المتخصصين، وكان السؤال المطروح هو: هل أنت مع أو ضد استخدام الذكاء الاصطناعي؟ في نهاية المطاف انقسم الحضور إلى ثلاثة فرق: ? الأولى: تؤيد بشدة استخدام الذكاء الاصطناعي في شتى مناحي الحياة. ? الثانية: ترفض بشدة استخداماته نظرًا لمخاطره والتي يتجسد بعضها في القضاء على ملايين الوظائف وتفشي البطالة إذا لم ينتبه العالم لكي يطور موارده البشرية وعلومه فائقة الجودة والرقمية. ? الثالثة: مع الذكاء الاصطناعي شريطة أن: ? لا نتركه يتصرف نيابةً عن الإنسان. ? لا يتخذ قراراته بنفسه. ? يتم توجيهه باستمرار خاصةً في العلوم المتخصصة وتلك المرتبطة بالفنون والآداب والثقافة العامة والصحافة والإعلام والطب وعلوم الطيران وحركة النقل الجوي والفضاء، وغيرها من الاستخدامات الرقمية فائقة السرعة التي تتطلب رقابة بشرية لإنتاج سلع هجينة ما بين الآلة والإنسان. وعندما حدثت الضجة قبل أيام قلائل حول الذكاء الاصطناعي، تذكرت كيف كنا في الجامعة الأهلية يقظين وسَبَّاقين عن الآخرين، وقادرين على مناقشة استخدامات أحدث اكتشاف تكنولوجي في العصر الحديث. كذلك أيقنت أن الحذر واجب، وأن الاستخدام المفرط للآلة المعرفية قد ينتج عنه مواجهات ما بين البشر وهذه الآلة، بل ما بين البشر وبعضهم البعض والآلات وبعضها البعض. ولكي نتجنب هذه المخاطر، وحسب ما يعتقد علماء التكنولوجيا السحابية والمعرفية فائقة السرعة، فإن تلك التقنية لابد وأن تخضع لرقابة مشددة، واحترافية ودورات تدريبية فوق العادة، بالإضافة إلى دراسات مستمرة وبحوث تطبيقية على حالات اختراق بعينها وكيفية تجنبها، إلى جانب «المعملية» والمختبرات الجامعية التي يتم من خلالها «معملة» النظريات، وإحداث تقريب مجدول ما بين العلوم البحتة وتطبيقاتها على الواقع. الضجة حول الذكاء الاصطناعي تذكرني بمرحلة اكتشاف «الدش» أو أطباق الأقمار الصناعية، الذي ينقل إلينا العالم من دون ضوابط عبر شاشات التلفاز في بيوتنا، ساعتها حَرَّم البعض هذا «الدش»، ووضعت بعض الحكومات المتحفظة قيودًا على استيراده أو استخداماته في الأماكن العامة، بمرور الوقت اعتاد الناس عليه، وأصبحت الرقابة الذاتية كفيلة بفلترة المواد الممنوعة والاحتفاظ فقط بالمواد الإعلامية التي تناسب عاداتنا وتقاليدنا وأخلاقنا. من هنا، وبالتجربة اليقينية، تحدث مخاوف ربما تزعج كبار المسؤولين في العالم، وربما يمتد هذا الانزعاج لمالكي حقوق الاختراع العلمي لهذه التقنيات الفارعة، لكن الأكيد أننا سوف نتجاوز حتمًا هذا النفق المضطرب بالاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي، والتدريب الاحترافي على خوارزمياته وإحداثياته، وفوق كل ذي عالِمٍ عليم.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓