ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. سامر أبو رمان

حرية أكاديمية للتطوير ورقابة مهنية للمصداقية

عقب ورشة أكاديمية في جامعة الكويت، تضمنت عرضًا لنتائج استطلاعات رأي ضمن مشروع «البارومتر العربي» في إطار تعاون بحثي بين جامعة برنستون وجامعة هارفرد وجامعة الكويت، طُرح سؤال يتجاوز النتائج المباشرة: كيف تطورت صناعة بحوث الرأي العام، وكيف يمكن التوفيق بين حرية البحث وضرورة الرقابة المهنية؟ في إجابتي، أكدت أن الحرية الأكاديمية ليست امتيازًا إضافيًا للباحث، بل شرط لإنتاج معرفة حقيقية قابلة للنقد والمراجعة. فالباحث لا يستطيع أن يختبر فرضيات غير مألوفة، أو يطرح أسئلة بمنهجية مسؤولة، أو ينشر نتائج تخالف التوقعات السائدة، إذا كان يخشى المنع أو التدخل أو التشكيك غير العلمي. وكلما اتسعت مساحة البحث الحر والمسؤول، أصبحت الدراسة أقدر على وصف الواقع كما هو، لا كما يرغب بعض الناس في أن يكون، مع مراعاة المسائل الحساسة واحترام الأديان والبيئات الاجتماعية والسياسية. لكن الحرية وحدها لا تنتج معرفة موثوقة، فصناعة استطلاعات الرأي مرت بتجارب كشفت مخاطر ما يمكن تسميته بـ«الاستطلاعات الدعائية» أو القياسات غير المهنية؛ كأن يُطرح سؤال موجّه على الناخبين لخدمة مرشح أو قضية، ثم يُقدَّم باعتباره استطلاعًا علميًا. هذا النوع من الممارسات لا يعتمد عينة سليمة، ولا يوضح طريقة جمع البيانات أو تحليلها، ويقود إلى استنتاجات مضللة. ومن رحم هذه التحديات، برز دور المنظمات المهنية المتخصصة. وفي الولايات المتحدة، تُعد الجمعية الأمريكية لبحوث الرأي العام AAPOR نموذجًا مهمًا للتنظيم الذاتي للمهنة. فمثل هذه الجمعيات لا تؤدي دور «الحارس المهني» الذي يكشف الممارسات غير العلمية فحسب، بل تسهم أيضًا في تطوير أدوات القياس، ومعايير اختيار العينات، وصياغة الأسئلة، وضبط العمل الميداني، وتحليل البيانات. كما أن البيئة الأكاديمية الأميركية أنتجت مجلات علمية رائدة، من أبرزها «Public Opinion Quarterly»، التي تمثل مساحة علمية لنشر البحوث والمنهجيات والنقاشات النقدية المتعلقة بقياس الرأي العام والسلوك السياسي والاجتماعي. وقيمة هذه المجلات لا تكمن في النتائج المنشورة فقط، بل في ترسيخ فكرة أن كل نتيجة قابلة للنقاش والفحص والتطوير. وفي التجربة الأميركية، ظل الاعتماد كبيرًا على المعايير المهنية والتنظيم الذاتي وحرية النشر، بينما تفرض بعض الدول، ومنها دول أوروبية، ضوابط قانونية على نشر استطلاعات الانتخابات خلال فترات محددة قبيل الاقتراع. لذلك، لا ينبغي تقديم أي نموذج بوصفه حرية مطلقة أو رقابة مطلقة؛ فالسؤال الأهم هو: هل توجد بيئة تسمح بالبحث والنشر المسؤولين، وتحمي في الوقت نفسه الجمهور من التضليل وانتهاك الخصوصية؟ ومن أهم ما طورته المنظمات المهنية ميثاق الأخلاقيات والممارسات المهنية، الذي يؤكد مسؤولية الباحث تجاه المستجيب والعميل والمجتمع والمهنة نفسها. فلا يجوز أن يتحول الإنسان الذي يجيب عن الاستطلاع إلى مجرد رقم، كما لا يجوز أن تُستخدم بياناته من دون احترام للسرية والموافقة والكرامة. وأتذكر خلال وجودي في شيكاغو طالبًا في الدكتوراه عام 2010، حين حضرت مؤتمر منظمة AAPOR وفي خطاب الرئيس، عُرضت مقاطع ساخرة تنتقد الاستطلاعات وتصورها أحيانًا بوصفها مجرد أرقام بلا معنى أو أسئلة عابرة، كان الموقف لافتًا؛ لأن القاعة ضمت مئات المختصين في هذا المجال، وكان السؤال الضمني: كيف نستعيد ثقة الجمهور؟ ومن هذا الخطاب برزت مبادرة الشفافية «Transparency Initiative» التي أطلقتها AAPOR لتشجيع المؤسسات البحثية على الإفصاح المنهجي عن كيفية تنفيذ الدراسات المنشورة، بما يشمل الجهة المنفذة والممولة، وأداة القياس، ومجتمع الدراسة، والعينة، وطريقة جمع البيانات، وتواريخ التنفيذ، والأوزان الإحصائية وإجراءات ضمان الجودة، ولا تعني المبادرة بالضرورة نشر البيانات الخام الخاصة بالأفراد، لأن خصوصية المستجيبين يجب أن تبقى محمية، لكنها تعني إتاحة التفاصيل الكافية للمراجعة العلمية وتقييم قوة النتائج. ومن هنا، فإن الحرية الأكاديمية تفتح الباب لاكتشاف الواقع، فيما تحمي الرقابة المهنية جودة هذا الاكتشاف ومصداقيته، فالمعادلة السليمة ليست حرية بلا مسؤولية، ولا رقابة تخنق السؤال العلمي، بل حرية تتيح البحث والنقد والنشر، ومنظمات مهنية تعزز الشفافية والأخلاقيات والمنهجية.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓