ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

كيف نرمّم ما ليس له قطع غيار؟

نؤجل زيارة الطبيب لأن الألم بسيط، ونتعايش مع نوم مضطرب لأنه مو شي خطير، ونؤخر الفحص لأننا ما زلنا قادرين على الحركة والعمل. والغريب أن الشيء نفسه يحدث خارج أجسادنا؛ علاقة تقل حرارتها، صديق يقل السؤال عنه، وشخص يقدم لنا خدمة صغيرة منذ سنوات، حتى صار حضوره عادياً فلا ننتبه إليه إلا حين يغيب. كأننا لا نرى الأشياء وهي تضعف.. إلا بعد أن تبدأ في الانكسار. نحن نجيد إسعاف النهايات أكثر من رعاية البدايات. نعرف موعد تغيير زيت السيارة، لكننا لا نتذكر آخر حديث مع ابننا لم يكن سؤالاً عن الدراسة. وقد نلاحظ تجعّد قميص قبل أن نلاحظ تعب الرجل الذي يكويه. لا تنقصنا القدرة على الانتباه دائماً؛ أحياناً نوزّعها بما يجعل الخدمة أوضح من صاحبها. ولعل هذا ما يؤخرنا: ما دام الشيء يؤدي وظيفته، نفترض أنه بخير. الأب يذهب إلى عمله، والأم تدبّر شؤون البيت، والصديق يرد على الرسائل. لكن أداء الدور لا يخبرنا بكل ما يحدث لصاحبه. قد يقول حاضر كلما طلبنا شيئاً، ثم يتردد طويلاً قبل أن يطلب منا دقائق نستمع فيها إليه. حتى الهدوء قد يخدعنا. فقد نقلق من كثرة العتاب، ثم نطمئن حين ينقطع. وربما كان انقطاعه راحة فعلاً، وربما كان صاحبه قد فقد الأمل في أن يغيّر شيئاً. لذلك لا يكفي أن نسأل: هل توقفت الشكوى؟ الأهم: هل زال ما كان يدعو إليها؟ من هنا يبدأ الترميم: أن نلاحظ ما تغيّر قبل أن نحاكم من تغيّر. نجلس مع من قل كلامه، ونسأله عما يشغله، ونترك له فرصة أن يقول ما لا يريحنا سماعه. وإذا تأذى من فعلنا، نسمّي الفعل ونعتذر عنه، ثم نغيّره. فالثقة لا تعود بمجرد شرح حسن نيتنا؛ تحتاج إلى تجربة جديدة يجد فيها الآخر سبباً لتصديقنا. وقد يبدأ ذلك بأمر صغير: جلسة لا نراقب خلالها الهاتف، سؤال نتذكر إجابته، أو وعد نلتزم به دون تذكير. ثم نعود لنسأل: هل نفعك ما فعلته؟ فقد نبادر بنصيحة بينما كان يحتاج إلى من يسمعه، أو نكثر السؤال بينما يحتاج إلى مساحة. نعرف أثر اهتمامنا مما يجد فيه الآخر، لا من مقدار الجهد الذي بذلناه. ولهذه العناية صلة بالصحة تتجاوز المجاملة. ففي تحليل تجميعي نشرته بلوس ميديسن عام 2010، شمل 148 دراسة وأكثر من ثلاثمئة ألف مشارك، ارتبطت العلاقات الاجتماعية الأقوى بفرص أفضل للبقاء على قيد الحياة. لا تثبت هذه النتيجة أن المصالحة تعالج مرضاً، لكنها تمنحنا سبباً علمياً لأخذ علاقاتنا بجدية ضمن عنايتنا بصحتنا. وفي صحيح مسلم: أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. وفي رعاية الناس مجال لهذا الخير المتصل؛ فالاندفاع بعد الخصام قد يهدّئ اللحظة، أما استمرار الاهتمام فيمنح العلاقة فرصة لاستعادة اطمئنانها. وفي الأسرة، حين يستطيع أحدنا أن يقول أنا متعب دون أن يُلام، يصبح طلب المساندة ممكناً. وحين يرى الأبناء خلافاً يُناقَش وخطأً يُصحَّح، يتعلمون كيف تبقى العلاقة مع وجود الاختلاف. ومن البيت تمتد هذه الممارسة إلى الجار والعامل؛ فتغدو العناية بالإنسان جزءاً من تماسك المجتمع، نمارسه في تعاملاتنا قبل أن نطالب به في خطاباتنا. هنا تظهر حدود تشبيه الإنسان بالآلة. قد تعيد القطعة البديلة الجهاز إلى عمله، لكن شخصاً جديداً لا يعيد السنوات التي عشناها مع غيره. يمكن تعويض خدمة، أما الألفة والثقة والذكريات فلا تأتي مع البديل. لذلك يستحق ما بيننا مراجعة قبل أن يصبح الغياب أول ما يلفت انتباهنا إليه. غير أن حفظ العلاقة لا يعني تجميدها عند صورتها القديمة. فحين نقول بعد المصالحة خلّنا نرد مثل أول، يستحق الكلام وقفة: ماذا لو كان في مثل أول ما أوصلنا إلى هنا؟ لعل أصدق ترميم أن نحفظ من العلاقة تاريخها، ونغيّر ما كان يهدد مستقبلها.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓