ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. علي محمد فخرو

منطلقات الاقتصاد العربي الجديد

لقد بينا عبر الأسابيع الماضية أن ظروف الأمة العربية الحالية تستدعي التركيز النضالي في ساحتين هما إعادة توجيه الاقتصاد العربي المشترك إلى انطلاقات وممارسات جديدة من جهة وإلى إعطاء أولوية إلى الانتقال إلى أنظمة ديموقراطية تراكمية معقولة من جهة أخرى. سنبدأ اليوم بالحديث عن الساحة الأولى: الاقتصاد. وهو يحتاج، بعد أن بقي لعدة عقود تحت مظلة الأنظمة الرأسمالية العولمية، فكراً وممارسات وخضوعاً للخارج وفساداً في الداخل، أن تكون منطلقاته الأساسية هي الآتية: 1- أن يكون اقتصاداً عربياً تكاملياً مشتركاً ذاتياً مستقلاً عن أي هيمنة إقليمية أو دولية، وإنما ندياً متفاعلاً بإيجابية مع أنظمة اقتصادات الآخرين كافة. 2- أن يكون جزءاً مكمّلاً من مشروع التنمية النهضوية العربية الشاملة ويتناسق مع أهدافها ومنطلقاتها القومية العروبية الوحدوية الشاملة. وبالتالي هو أبعد من مجرد النمو الاقتصادي. 3- أن يرفض بصورة كلية أن يندمج في أو يتعاون مع المقترح الأميركي الصهيوني لبناء السوق الشرق الأوسطية الذي سيكون تحت هيمنتهما في كل مجال. 4- أن يقتنع، فكراً وممارسة، بما أكدته تجارب الحقب السابقة من أن أحد المداخل الرئيسة لإصلاح علل الاقتصادات القطرية العربية هو قيام ذلك النظام الاقتصادي التعاوني المشترك ونجاحه للتمهيد لقيام وحدة اقتصادية عربية مستقبلية. 5- الثقة بالشعوب العربية وقدرتها، إن أعطيت الفرصة، على الاعتماد على النفس وعلى حماسها لشعار المصير العربي المشترك ووحدة مسيرته. وأن هكذا تنمية وهكذا اقتصاد، لكي يشبعان الحاجات الأساسية المعيشية المادية والمعنوية للمواطن العربي، يحتاجان إلى نضال تغييري مستمر طويلة الأمد. 6- إن استعمال الادخارات والفوائض المالية، وعلى الأخص البترولية، لا تستعمل فقط لتنمية القطر الذي ينتجها واستثمارها في الخارج وإنما أيضاً تستعمل لاستثمارات تنموية في كل الأقطار العربية الأخرى التي بحاجة لها، وذلك لتقليل الاعتماد العربي على الخارج المليء بالمؤامرات والانتهازية الإخضاعية. 7- إن هكذا تنمية واقتصاد يتطلبان وجود قطاع عام كبير يتناسق ويتعاون مع القطاع الخاص، ويتطلبان وجود قاعدة قانونية وقيم أخلاقية وسلوكية تضبط كلا القطاعين وتبعدانهما عن الفساد والمحسوبية وغياب العدالة الاجتماعية. 8- ان هكذا تنمية وهكذا اقتصاد لا يمكن أن يكونا عصرييّن وحديثين وإبداعييّن إلا بوجود قواعد علمية وبحثية ذاتية تنمّي العلوم والتكنولوجيا وتطورهما باستمرار، إذ أن العالم يتجه نحو مزيد من الاعتماد الهائل على العلوم والتكنولوجيا، وعلى الأخص التواصلية. 9- أن يكون على رأس قمة تلك المنطلقات، هدف قيام سوق عربية موحدة، خصوصاً وأن جرت محاولتان جريئتان اقتصاديتان من قبل، الأولى عام 1957 عندما عقدت اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية، وعندما فشل تحقق تلك الخطوة انعقد في الأردن عام 1980 مجلس قمة عربي لوضع خطة عربية اقتصادية مشتركة، التي هي الأخرى لم تعمّر طويلاً ودمرتها أنانية بعض الدول الغنية خلال ثلاث سنوات. 10- أن يكون الالتزام القومي العروبي بالصلابة القيمية الوحدوية التي تجعله قادراً على عدم السماح للخلاف الشديد في درجة ثراء الأقطار العربية عائقاً تبريرياً لتأجيل تبني تلك المنطلقات، وبالتالي نحو وحدة اقتصادية تكاملية أو على الأقل بناء أحد الكتل الاقتصادية الكبرى في عالمنا المعاصر مشابهة للكتل الأميركية والأوروبية والآسيوية التي نجح بعضها إلى أبعد الحدود. وسواء أكانت الجوانب النظرية في هذه المنطلقات أم كانت الجوانب التطبيقية فان الاستفادة مما نصح به المفكر العربي الشهير المرحوم د. إسماعيل صبري من أن العمل العربي المشترك في كل الحقول يحتاج أن يبدأ بالتقارب لينتقل خلال فترة معقولة إلى التعاون فالتكامل تمهيداً وتوجهاً للوصول إلى مرحلة التوحيد، الاستفادة من تلك الحكمة واجبة ومطلوبة لضمان النجاح والتحقّق. إذا اعتمدت الانعطافة الاقتصادية الجديدة من تلك النقاط المحددة فستقود إلى اقتصاد ذاتي جديد محكوم بالقيم الإنسانية، كما سنفصّل في المقال القادم.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓