ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

ملائكة التعليم.. وأسبوع الفشل الآمن

ليلة الأحد، عاشت بيوت كثيرة في الكويت مشاعر متباينة؛ بيت يستعد وينظف ويرتب، وآخر دخله الحماس، وثالث شعر بشيء من الضيق لانتهاء السهر والمرح والحرية. وبين هذا وذاك ظهر القلق والتذمر وانتظار العودة إلى الإيقاع المعتاد. ولم تكن هذه المشاعر مرتبطة بعودة الطلبة، فهم لم يعودوا بعد، بل بعودة المعلمين قبلهم بأسبوع. وقد يبدو الأمر شأناً يخص المعلمين وحدهم، لكنه في الحقيقة يتسلل إلى بيوت كثيرة؛ فإن لم يكن في البيت معلم، ففي العائلة معلم، أو صديق سيبدأ من اليوم فقدان بعض أيامه «الحلوة». وهنا يظهر سؤال يتكرر كل عام، وإن لم يُطرح بصوت مرتفع: لماذا يعود المعلمون أصلاً قبل الطلبة؟ الجواب المعتاد أن هناك جداول واجتماعات وتجهيزات واستعدادات. وهذا صحيح، لكنه لا يشرح القيمة الحقيقية لهذا الأسبوع. فالاستعداد للعام الدراسي ليس حضوراً مبكراً بقدر ما هو اختبار مبكر للجاهزية. وفي الإدارة يُعرف مفهوم الجاهزية التشغيلية Operational Readiness، أي قدرة المنظمة أو النظام على أداء الوظائف التي أُعد من أجلها. وهو مفهوم لا يكتفي بتوافر الخطط على الورق، بل يهتم بجاهزية الأشخاص والإجراءات والأنظمة قبل بدء التشغيل الفعلي، وهو ما تؤكده الأدبيات المهنية في إدارة المشروعات والعمليات، ومنها (Project Management Institute (PMI. ووزارة التربية الكويتية نفسها تتعامل مع الاستعداد المبكر بوصفه جزءاً من ضمان انطلاقة منظمة ومستقرة للعام الدراسي، وقد أعلنت في خطتها للعام الدراسي 2026/2027 أن من أهدافها تعزيز الجاهزية المبكرة وتوفير بيئة تعليمية وإدارية متكاملة منذ اليوم الأول. وربما هنا يأخذ هذا الأسبوع معنًى أجمل. فقد جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ? قال: «وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضاً بما يصنع». وإذا كان طالب العلم بهذه المنزلة، أفلا يستحق أن يُمهَّد له الطريق قبل أن يصل؟ وهنا أتذكر غرفة العمليات؛ فالعملية لا تبدأ لحظة دخول المريض، بل يسبقها من يهيئ المكان، ويراجع الأدوات، ويتأكد من التفاصيل، ويمنع الخطأ قبل وقوعه. ولهذا استقر في الوجدان وصف الممرضين والممرضات أحياناً بـ«ملائكة الرحمة». أفليس من الأولى أن يكون عندنا أيضاً، من باب المجاز لا الوصف الشرعي، «ملائكة التعليم»؟ أولئك الذين يسبقون الطالب إلى مدرسته بأسبوع، لا ليعلّموه بعد، بل ليهيئوا المكان الذي سيتعلم فيه. وهنا يصبح هذا الأسبوع أكثر من «أسبوع استعداد». وربما يكون الاسم الأدق له: أسبوع الفشل الآمن؛ أي أن تسمح المدرسة لنفسها بأن تكتشف أخطاءها في الوقت الذي ما زال إصلاحها ممكناً، ومن دون أن يدفع الطالب ثمنها. فليس المهم كم اجتماعاً عُقد، ولا كم ورقة أُنجزت، بل كم مشكلة اكتُشفت قبل أن تصل إلى الطالب، وكم مفاجأة مُنعت من أن تصبح جزءاً من أول يوم دراسي. وهنا القرار الثاني: قد لا يكون المعلم قد بدأ التدريس بعد، لكنه ربما بدأ فعلاً في حماية التعليم. والطالب لا ينبغي أن يكون أول من يكتشف أن مدرسته لم تكن جاهزة.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓