تنازلات صغيرة.. وندم كبير
في مواقع التواصل الاجتماعي الغث والسمين، وقد انتقيت لكم اليوم أسمن ما وجدته فيها. ظهر أمامي، مصادفة، مقطع قديم للفنانة نجلاء فتحي. لم يكن مشهداً من أحد أفلامها، ولا حديثاً عن الفن وأضوائه، بل لحظة صريحة تحدثت فيها عن زواجها السابق من المهندس سيف أبوالنجا، والد ابنتها. كانت تتحدث بخبرة امرأة عبرت بها السنوات من الزواج إلى الطلاق، ثم أعادت النظر في أسباب لم تكن تراها وهي في بداية حياتها. قالت إنها رفضت تقديم تنازلات في شخصيتها وطباعها، وهو أيضاً رفض التنازل؛ لأنهما كانا صغيرين، وإن تنازلات بسيطة جداً كان يمكن أن تحفظ استمرار حياتهما. ثم قالت كلاماً بقي في ذهني: لو قُدّر لها أن تتزوج مرة أخرى، فسوف تختار الرجل نفسه. طبعاً لم تقل ذلك تحت تأثير قصة عاطفية عابرة، ولكن بعد سنوات من التجربة والمراجعة. اكتشفت أن الحياة ليست بحثاً دائماً عن شخص مطابق للصورة التي نصنعها في رؤوسنا، وأن الإنسان المخلص، الطيب القلب، المحب للحياة، قد يكون أثمن بكثير من التفاصيل التي نقف عندها طويلاً. وخلاصة ما تعلمته من تجربتها قالته في كلمات قليلة: شيء من التأني، وشيء من العقل، وشيء من الصبر. توقفت طويلاً عند هذا الاعتراف، أو ما يمكن تسميته «روشتة نجلاء فتحي» للحياة الزوجية؛ لأنه يأتي في وقت أصبحت فيه مواقع التواصل حاضرة في كثير من تفاصيل حياة الشباب. منها يتلقون النصائح، وفيها يقارنون حياتهم بحياة الآخرين، وتتسلل إليهم أفكار توهم كل طرف بأنه لا ينبغي له أن يتنازل أو يصبر أو يتجاوز، وأن أي خلاف دليل على سوء الاختيار. يتابع بعض الأزواج حياة مصنوعة للعرض، ثم يعودون إلى بيوتهم غاضبين من حياة حقيقية فيها التعب، والمسؤولية، والاختلاف، والأيام الجميلة والأيام الثقيلة. الصورة المنشورة لا تنقل الحقيقة كاملة، بل ما يقتضيه السيناريو وما يراد إظهاره فقط. لا تظهر الفواتير، ولا القلق، ولا المرض، ولا لحظات الصمت، ولا التنازلات التي أبقت ذلك البيت قائماً. ومع ذلك، يقارن الإنسان حياته كاملة بلقطة اختار غيره أن يعرضها عليه. ومن أخطر ما تزرعه بعض الحسابات أن التنازل ضعف، والتغاضي هزيمة، والاعتذار انتقاص من الكرامة. والحقيقة أن البيوت لا تستمر بمن ينتصر في كل نقاش، بل بمن يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يتراجع خطوة حتى لا يخسر الطريق كله. ليس كل اختلاف سبباً للطلاق، ولا كل طبع يمكن تغييره. هناك أمور صغيرة يكبرها العناد: موعد، أو زيارة، أو كلمة قيلت في لحظة غضب، أو عادة يمكن التعايش معها. وبعد أن ينتهي الزواج، قد يكتشف الطرفان أن ما خسراه كان أكبر بكثير مما اختلفا عليه. ولا يعني الصبر القبول بالإهانة أو العنف أو الظلم، فهذه أمور لا يجوز تبريرها تحت أي اسم. لكن بين الظلم الذي يستحيل معه العيش، والخلافات اليومية العادية، مساحة واسعة تحتاج إلى عقل وصبر وتفاهم. تجربة نجلاء فتحي لا تصلح حكماً على كل زواج، لكنها تصلح درساً لكل شاب وفتاة في بداية الطريق. فبعض الدروس لا تأتي من الكتب، بل من إنسان يعترف بعد سنوات بأنه كان يستطيع المحافظة على شيء جميل لو أنه تنازل قليلاً، وتأمل أكثر، ولم يجعل طباعه أعلى من حياته. جميل أن يصدّر أصحاب التجارب خلاصة ما تعلموه إلى الأجيال التالية، والأجمل أن نستمع إليهم قبل أن نكرر أخطاءهم. فليس المطلوب من الإنسان أن يعيش التجارب كلها حتى يتعلم، بل أن يستفيد من أعمار الآخرين، ومن قراراتهم، ومن ندمهم أيضاً. ربما لم يكن ذلك المقطع هو الأكثر مشاهدة، ولا الأكثر إثارة، لكنه كان من أكثر ما يستحق المشاهدة. نصيحة خرجت من تجربة طويلة، ويمكن اختصارها في جملة واحدة: لا تجعلوا الحاجات البسيطة تهدم الأشياء الكبيرة.