ماذا بعد إلغاء الهيئة العامة للشباب؟
هناك قرارات حكومية لا تنتهي آثارها بمجرد صدورها، وقرار إلغاء الهيئة العامة للشباب وضم اختصاصاتها إلى الهيئة العامة للرياضة واحد منها. لا أكتب اليوم دفاعاً عن مؤسسة انتهى وجودها، ولا اعتراضاً على قرار حكومي. بل أرى في القرار فرصة لطرح سؤال أهم: ماذا نريد أن نبني بعد الإلغاء؟ وأين ستذهب استراتيجية الهيئة العامة للشباب؟ علاقتي بهذا الملف تجعلني أنظر إليه من زاوية مختلفة. فقد تشرفت بالعمل مستشاراً للأخ العزيز عبدالرحمن المطيري عندما كان قطاعا الشباب والرياضة ضمن مسؤولياته، وكنت قريباً من الفريق الذي شارك في إعداد استراتيجية الرياضة، كما كنت ضمن الفريق الذي شارك في تأسيس الهيئة العامة للشباب. في الجانب الآخر، عشت العمل الرياضي لسنوات طويلة، وتنقلت بين مسؤوليات إدارية وفنية على مدى اكثر من 17 سنة قدت فيها الفرق لتحقيق بطولات عديدة وحققت نسب نجاح افخر بها ، ولذلك أعتقد أن لدي ما يكفي من القرب من التجربتين لأقول: الدمج قد يكون فرصة حقيقية، لكنه لن ينجح بمجرد جمع الهيكلين. أتفهم توجه الحكومة نحو تقليل التشابك ورفع كفاءة الجهاز الحكومي، وهي أهداف مطلوبة. لكن هناك فرقاً بين توحيد المظلة وإلغاء التخصص. والملاحظة التي يجب علي الحكومة أن تقف عندها الشباب ليسوا رياضيين فقط. وهذا يظهر بوضوح في استراتيجية الهيئة العامة للشباب الأخيرة للأعوام 2025–2030، التي قامت على 5 أولويات و23 مبادرة استراتيجية، واستهدفت، على سبيل المثال، تأهيل 3 آلاف قائد شاب، وتقديم الإرشاد المهني لـ 5 آلاف شاب، وتنفيذ 30 برنامجاً لتنمية التفكير الريادي، وتسجيل 15 ألف متطوع، ودعم 100 مبادرة شبابية مؤثرة. هذه الأرقام تقول لنا شيئاً مهماً: العمل الشبابي منظومة قائمة بذاتها، وليست مجرد ملحق بالنشاط الرياضي. وفي المقابل، للرياضة أهداف مختلفة تماماً. استراتيجية الهيئة العامة للرياضة 2022–2028 تحدثت عن إنشاء 6 استادات رياضية، واستضافة 45 بطولة ودورة إقليمية وقارية ودولية وعالمية، وتوفير منظومة للاحتراف والتفرغات الرياضية، وآلية لصناعة أبطال قادرين على تحقيق ميداليات في دورتي الألعاب الأولمبية والبارالمبية بدءاً من 2028، إضافة إلى تمكين 300 إعلامي رياضي كويتي. هذه ليست تفاصيل صغيرة يمكن وضعها جميعاً في قالب واحد. الشاب الذي نؤهله للقيادة وريادة الأعمال ليس مشروع لاعب منتخب، واللاعب الذي نعده للأولمبياد ليس مؤشراً لبرنامج تمكين شبابي. وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة. أؤيد وجود استراتيجية وطنية واحدة للشباب والرياضة، لكن بشرط ألا تتحول إلى استراتيجية تذيب الفوارق بين القطاعين. نحتاج إلى رؤية وطنية واحدة، تتفرع منها مسارات واضحة للشباب والرياضة، لكل منها أهداف ومؤشرات ومبادرات ومسؤوليات محددة. والاهم اعداد قيادات شابة قادرة على فهم هذا العمق الاستراتيجي وتحقيق اهداف هذه الرؤية وهذا ليس تعقيداً إدارياً؛ بل هو ما يجعلنا قادرين على قياس النتائج. فالاستراتيجية الشبابية مثلاً وضعت هدفاً للوصول إلى 100% في رقمنة الخدمات، بينما استراتيجية الرياضة تتحدث عن الحوكمة والإدارة الرقمية القائمة على النتائج. والحقيقة التي تفرض نفسها أن التكامل موجود أصلاً، لكن طبيعة النتائج مختلفة. والأهم أن لدينا الآن استراتيجيتين حديثتين نسبياً: واحدة للشباب للفترة 2025–2030، وأخرى للرياضة للفترة 2022–2028. فلماذا لا نستفيد منهما بدلاً من أن نبدأ من الصفر؟ لماذا لا تكون وزارة حقيقية؟ بدل أن يكون لدينا وزير فقط للشباب والرياضة وهنا أطرح اقتراحاً أعتقد أنه يستحق الدراسة: لماذا لا تكون هذه فرصة للانتقال من مفهوم الهيئة إلى وزارة حقيقية للشباب والرياضة؟ وزارة لا يكون دورها مجرد إدارة الملفات، وإنما وضع السياسة الوطنية للشباب والرياضة، والتنسيق مع باقي الوزارات والهيئات الحكومية والقطاع الخاص، ومتابعة تنفيذ استراتيجية وطنية واحدة وقياس نتائجها. وزارة يكون لها وكيل واحد ويكون لديها وكيلين مساعدين تحتها مساران واضحان: الشباب: تمكين وبناء قدرات وصناعة مستقبل. الرياضة: ممارسة وإنجاز واحتراف وصناعة رياضية. وبذلك نحقق هدف الحكومة في التكامل، من دون أن نخسر التخصص. والأرقام تفرض علينا سؤالاً آخر استراتيجية الرياضة لم تكن قليلة الطموح. فهي تحدثت عن 6 استادات و45 بطولة، وعن مدينة رياضية أولمبية، والاحتراف والتفرغات، وصناعة الأبطال. وفي أول سنة من تنفيذها، أعلنت الهيئة أنها نفذت 121 نشاطاً وفعالية، وأن نسبة الإنجاز في مشروع الاستادات الستة بلغت نحو 22% خلال عام 2022. وهنا لا أطرح هذه الأرقام للحكم على الاستراتيجية بالنجاح أو الفشل. بل أطرح أسئلة أبسط وأهم: ماذا تحقق فعلاً من هذه الأهداف؟ وماذا لم يتحقق؟ ولماذا؟ ومتى سيتحقق؟ هذه هي المراجعة التي نحتاجها الآن. وأنا، بحكم قربـي من إعداد الاستراتيجية، لدي تحفظات على بعض بنودها، لكنني أعتقد أن أفضل وقت لمراجعتها هو الآن، لا للدفاع عنها ولا لإلغائها، وإنما لمعرفة ماذا يستحق الاستمرار وماذا يحتاج إلى إعادة صياغة؟ وهل كانت على مستوى طموح الحكومة؟ وهل المعطيات نفسها ام ان هناك متغيرات؟ مهم جدا ألا نبدأ من الصفر والأهم بالنسبة لي ألا تتحول عملية الدمج إلى مجرد نقل موظفين ودمج إدارات وتحويل موظفين إلى ديوان الخدمة لنقلهم إلى وزارات أخرى. فقد تراكمت خلال السنوات الماضية خبرة مؤسسية شبابية يملكون الثقافة الاستراتيجية ولا يجوز أن تضيع. هؤلاء الموظفون الذين عملوا في البرامج والمبادرات الشبابية يعرفون تفاصيل هذا القطاع، ويمتلكون معرفة لا تُكتب كلها في التقارير والاستراتيجيات. لذلك يجب أن يكون الحفاظ على الكفاءات والخبرات جزءاً من عملية الدمج، لا نتيجة جانبية لها. وبالمثل، تحتاج الرياضة إلى الحفاظ على الكفاءات التي تعرف تفاصيل الأندية والاتحادات والمنتخبات والألعاب المختلفة. والإصلاح الحقيقي لا ينقل الموظف فقط؛ بل يحافظ على المعرفة وهي الاستثمار الاهم بالعالم اليوم. ورياضتنا اليوم تحتاج إلى هدف واضح فالشارع الرياضي لا ينتظر تغيير مسمى هيئة. بل ينتظر أن يرى الكويت تعود إلى مكانتها الطبيعية في الرياضة الخليجية والآسيوية والعالمية. ونحتاج إلى أن نسأل انفسنا بوضوح: أين نريد أن تكون الكويت خليجيا وآسيوياً؟ ما الألعاب التي سنركز عليها؟ وما مستوى طموحنا؟ كيف سنكتشف المواهب؟ وكيف نطورها؟ كيف نعالج الاحتراف؟ ونجعل الرياضة صناعة؟ وكيف نحول الرياضة من بند إنفاق إلى قطاع اقتصادي واستثماري الى ان يكون مدخولها جزء من الدخل القوي للبلد؟ هذه الأسئلة، في رأيي، أهم من شكل الهيكل الإداري. وأنا لا أطالب بإعادة الهيئة العامة للشباب، فالقرار صدر. ولا أعتقد أن التجربة السابقة كانت بلا أخطاء، كما لا أعتقد أن تجربة الرياضة كانت كاملة. لكننا نملك اليوم فرصة نادرة: أن نتعلم من التجربتين بدلاً من أن نبدأ من الصفر. أن نحافظ على ما نجح، ونراجع ما لم ينجح، ونضع أهدافاً يمكن قياسها ومحاسبة المسؤول عنها. ولذلك أرى أن الدمج يجب ألا يكون مجرد تقليص لعدد الجهات الحكومية. بل يجب أن يكون بداية لإعادة تعريف دور الدولة في الشباب والرياضة. وزارة حقيقية، استراتيجية وطنية واحدة، تخصص واضح، مؤشرات قابلة للقياس، وكفاءات تعرف كيف تنفذ. عندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نلغِ هيئة، وإنما فتحنا الباب لبناء منظومة أفضل. فالسؤال ليس: ماذا خسرنا بإلغاء الهيئة؟ بل: ماذا سنبني بعد الإلغاء؟ لأن الدول لا تُقاس بعدد الهيئات التي تنشئها أو تلغيها، وإنما بقدرتها على تحويل طاقات شبابها إلى إنجاز، وتحويل طموح رياضييها إلى بطولات. وكما قال المتنبي: على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ والكويت، في رأيي، لا ينقصها أهل العزم، ولا تنقصها الكفاءات، ولا ينقصها الشباب. ما نحتاجه هو أن نمنح هذه الطاقات مشروعاً بحجم الكويت وطموحها.