الدبلوماسية وسيادة القانون
منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية، ودول مجلس التعاون الخليجي من أكثر الداعين إلى إبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، حتى في أحلك الظروف. فالحروب مهما اشتدت لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن السياسة، والأزمات مهما تعقدت لا بد أن تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة تفاوض.
لكن الدعوة إلى الدبلوماسية لا تعني بأي حال من الأحوال التسليم بالأمر الواقع، ولا تعني أن تتحول طاولة المفاوضات إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على إجراءات مخالفة للقانون الدولي، أو إلى مدخل لمنح أي طرف مكاسب لم يستطع الحصول عليها إلا باستخدام القوة. نعم الدبلوماسية هي الملاذ الآمن للجميع، بل ضرورية، لكنها يجب أن تكون أداة لصناعة السلام، لا وسيلة لتكريس الأمر الواقع.
ومن هنا تحديداً تأتي أهمية الموقف الخليجي من أي حوار مع إيران.
لا أحد ضد الحوار مع إيران ولسنا ضد إقامة علاقات طبيعية معها، بل إن استقرار الخليج لن يكتمل من دون علاقة تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نتحاور مع إيران؟ بل: ماذا نريد من هذا الحوار؟ وما الذي يجب أن يسبقه؟ وما الذي يجب ألا نقبل بتحويله إلى واقع جديد؟
مضيق هرمز ممر دولي، وحريّة الملاحة فيه ليست منحة من طهران، ولا يجوز أن يتحول إغلاقه إلى ورقة ضغط ثم يصبح فتحه ثمناً لتفاهمات سياسية.
ولنا ان نتساءل مع أي إيران نتفاوض؟ ومن يملك قرارها؟ ومن يضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟
لا يمكن بناء الثقة بينما تتحدث السياسة الإيرانية بأكثر من لغة، لغة المتشددين ولغة الدبلوماسيين ولغة الأذرع والميليشيات!
ولا يمكن أن نتحدث عن مضيق هرمز ونتجاهل باب المندب، حيث تتعرض الملاحة الدولية للتهديد، فيما تستمر الهجمات الحوثية - أحد الأذرع الإيرانية -على دول المنطقة وتحديداً المملكة العربية السعودية.
نحن في المنطقة لا نريد حرباً مع إيران... ولا نريد أن نتحوّل إلى طرف في صراع بين واشنطن وطهران، ولا نريد أن ندفع ثمن حرب لم نخترها.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تُفهم رغبتنا في خفض التصعيد على أنها انفصال عن أمننا الوطني أو عن مصالحنا الإستراتيجية ، ونحن ندرك الأبعاد الجيوسياسية لهذه الأزمة وفي نفس الوقت لا نريد سلاماً هشّاً وموقتاً وله أهدافه قصيرة المدى، نريد سلاماً حقيقياً، وعلاقات طبيعية، وجيرة قائمة على الاحترام المتبادل.
لكن الطريق إلى ذلك يبدأ من طهران نفسها، نريد إيران دولة جارة طبيعية، تحترم جيرانها ويحترمها جيرانها، وتدرك أن أمن الخليج لا يمكن أن يكون على حساب أمن دولِهِ، وأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على منطق النفوذ المسلح أو إغلاق الممرات الدولية.