وجهة وطن: الكويتي سائق «أوبر»

تصاعد النقاش خلال الأيام الأخيرة، مع دخول شركة أوبر للسوق المحلي، حول فكرة عمل المواطن الكويتي كسائق أجرة في الشركة الجديدة بين مؤيد يرى في هذه المهنة كسراً لنمطية الوظيفة الحكومية المكتبية التي تتسم بها العمالة الوطنية بما يصلح سوق العمل، ومعارضٍ للفكرة على اعتبار عدم ملاءمة وظيفة السائق للكويتيين.
أؤمن بشدة أن أي عمل متى كان شريفاً ليس عيباً، بل هو شرف وإضافة مهنية إلى أي إنسان، وقد يكون عمل المواطنين كسائقي أجرة في «أوبر» أو في غيرها فرصة إنسانية للتعامل مع مختلف الجنسيات والفئات في الكويت من منظور غير متداول ما بين مقدم خدمة وعميل، كما أنه يمثل فرصة لتحسين الوضع المالي خصوصاً للشباب في مقتبل العمر، ويكسبهم تجربة، ويعلمهم «قيمة الدينار» بما يخفض من النهم الاستهلاكي لهذه الفئة تحديداً.
ولعله من المفيد التأكيد على أن عمل الكويتيين كسائقي أجرة، وعمال في النفط أو وزارات الدولة قبل استحداث بدعة «عقود المقاولين» التي دمرت مهنية العمالة الوطنية، كان أمراً دارجاً حتى عقود بل حتى سنوات قريبة.
في اعتقادي أن عمل الكويتي في أي مهنة خدمية كسائق أجرة أو توصيل الطلبات أو حتى النجارة والحدادة وصيد الأسماك والتي تسمّت عائلات كويتية بأسماء مهنها، هو أمر مرتبط بتحسين الدخل الشخصي وخوض تجربة مهنية وإنسانية تتيح الاحتكاك بفئات متعددة من البشر، غير أنها لا تمثل مدخلاً جوهرياً لإصلاح سوق العمل أو بيئة الأعمال في الكويت واختلالاتها الاقتصادية.
بلغة الأرقام، تشير بيانات سوق العمل الكويتي إلى تباطؤ شديد في توظف الكويتيين لدى القطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة، فبعدما تضاعف عددهم في بداية الألفية أكثر من 3.5 مرات خلال الفترة من 2000 - 2009 من 18 ألفاً إلى 65 ألفاً مدعوماً بإقرار دعم العمالة الوطنية وانتعاش قطاعات السوق لاسيما البورصة والعقار والمصارف والتوسع في تأسيس الشركات، جاءت الأزمات المالية العالمية وفوضى الكوادر الحكومية ليقضيا على النمو المتصاعد في التوظف بالقطاع الخاص، ويتحول إلى تباطؤ تمثل في إحصائية عام 2025 التي أشارت إلى عدد يبلغ 73 ألف كويتي في هذا القطاع يمثلون 16.7 في المئة من حجم العمالة الوطنية، أي بنمو هامشي يبلغ 0.3 في المئة عن العام السابق 2024.
وبالتالي، فإن الحديث عن عمل المواطنين كسائقي أجرة في «أوبر» أو غيرها مهما تنوعت مزاياها لا يمكن أن يمثل مدخلاً جوهرياً لإصلاح سوق العمل الذي يتطلب أفكاراً جادة لا عاطفية وحلولاً عملية مرتبطة ببرامج زمنية تتضمن مثلاً التدرج في توطين وظائف القطاع الخاص بدءاً من الشركات والبنوك المسجلة في هيئة أسواق المال، وصولاً إلى الشركات العائلية والوكالات التجارية ومرافق الاستثمار الأجنبي، فضلاً عن إصلاح أوضاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل منح المبادرين المشاريع الحرفية والصناعية بما يضمن تحفيز بيئة الأعمال، فهنا تكون البداية جادة وجوهرية وتتجاوز مجرد «النجرة» على عمل الكويتي كسائق أجرة.