ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم عبدالعزيز التميمي

أم كلثوم أم فيروز؟

طرحت جريدة «الرأي» الغراء في صفحتها الفنية، سؤالاً يستحق النقاش: «كوكب الشرق أم جارة القمر... من هي الأولى؟» في محاولة للمقارنة بين صوتين من أعظم الأصوات التي عرفها الغناء العربي.

السؤال جميل في ظاهره، لكن أم كلثوم وفيروز، ليستا درجتين على سلم واحد، وإنما هما مدرستان فنيتان مختلفتان، التقتا في القمة، واختلفتا في الطريق إليها.

أم كلثوم كانت مدرسة قائمة بذاتها؛ مدرسة الطرب العربي الكبير، والقصيدة، واللحن الطويل، والارتجال، والقدرة الاستثنائية على الإمساك بالمسرح والجمهور ساعاتٍ من الإنصات والانفعال.

وفيروز كذلك مدرسة قائمة بذاتها؛ لها عالمها الخاص، وصوتها الذي لا يشبه غيره، وأغنيتها التي تدخل إلى الذاكرة بهدوء، فتجمع بين الشعر والموسيقى والصورة والمكان والحنين.

وأم كلثوم، في المقابل، لم تكن أسيرة الليل أو السهرة؛ فقد غنّت للصباح والنور والحياة والفلاح، كما غنّت للحب والوطن والعيد والإنسان.

ففي وجداننا «يا صباح الخير يا اللي معانا»، كما في وجداننا «يا ليلة العيد آنستينا».

وفي وجداننا فيروز وهي تقول «مكة» و«زهرة المدائن»، كما في وجداننا أم كلثوم وهي تغني للوطن والإنسان والأرض.

إذاً، ليست القضية أن واحدة تغني للصباح وأخرى للمساء، ولا أن واحدة للطرب وأخرى للهدوء؛ فكلتاهما استطاعت أن تعبر المساحات المختلفة عندما أراد لها اللحن والشعر ذلك.

الأولى لها جمهورها الذي ينتظر لحظة التطريب، والثانية لها جمهورها الذي يجد نفسه في جملة موسيقية أو كلمة أو لحن.

لكن الجمهور في الحالتين يبحث عن الشيء نفسه: الإحساس.

والفنان العظيم ليس من يمتلك أعلى صوت فقط، وإنما من يستطيع أن يجعل صوته يعيش في وجدان الناس.

لا تحتاج أم كلثوم إلى أن تهبط من مكانها لكي تصعد فيروز، ولا تحتاج فيروز إلى أن تتراجع خطوة لكي تبقى أم كلثوم في القمة.

بل إن وجودهما معاً هو الذي صنع جزءاً عظيماً من مجد الغناء العربي في القرن العشرين.

لقد أعطت كل واحدة منهما جمهورها مساحة من الطرب والحب والشجن والألم والفرح والحنين، وكل واحدة تركت بصمتها التي يصعب أن تتكرر.

فإذا كان لا بد من جواب على استطلاع «الرأي»، فإن جوابي هو:

لا أختار واحدة منهما ضد الأخرى؛ لأنني حين أختار أم كلثوم، لا أستطيع أن أنكر فيروز، وحين أختار فيروز لا أستطيع أن أتجاهل أم كلثوم.

إنهما ليستا متنافستين على القمة... إنهما من القمم التي صنعت تاريخ الغناء العربي.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓