اليمن ما بين الأزمة والولاء
عندما قُتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح، على يد جماعة الحوثي، اعتقد كثيرون أن المشهد اليمني دخل مرحلة جديدة، وأن الصراع بات أقرب إلى نهايته، وأن موازين القوى قد بدأت تميل بصورة حاسمة ضد جماعة الحوثي. ثم جاءت التطورات العسكرية التي شهدتها جبهات عدة لتمنح هذا الاعتقاد مزيداً من الزخم.
وراهن كثيرون على أن الانتصارات المتتالية قد تفتح الطريق أمام استعادة صنعاء وعودة مؤسسات الدولة، وربما تزامن ذلك مع استعادة رمزية السادس والعشرين من سبتمبر بوصفها مناسبة وطنية تؤكد معنى الجمهورية والدولة.
لكن لا تلك ولا هذه، تحققت... لم يتم الثأر لدم صالح ولم تتواصل المكاسب العسكرية بل فوجئ الجميع بما حدث في الساحل الغربي وما بين روايات تتحدث عن إعادة تموضع عسكري وعن «مؤامرة» وصلت إلى مرحلة «التخوين» كانت السبب في ذلك!
إنّ جوهر المشكلة اليمنية، في تقديري، يرتبط إلى حد كبير بما يمكن تسميته «إشكالية الولاء»؛ أي السؤال المتعلق بمن تكون له الأولوية في الانتماء السياسي: الدولة أم الجماعة، الوطن أم الزعيم، المؤسسات أم مراكز النفوذ؟
وهذه ليست مسألة يمنية خالصة، بل ظاهرة عرفتها دول عديدة، خصوصاً تلك التي عانت طويلاً من ضعف مؤسسات الدولة وتراجع مفهوم المواطنة المتساوية. فالدول لا تبدأ مرحلة الاستقرار الحقيقي إلا عندما يصبح الانتماء إلى الدولة هو الإطار الأعلى الذي تنتظم داخله الولاءات الاجتماعية والسياسية والمناطقية والمذهبية والقبلية.
لقد أثبتت تجارب الدول التي نجحت في بناء مؤسسات حديثة أن التحول الحقيقي يبدأ عندما يصبح المواطن مواطناً قبل أن يكون تابعاً لجماعة أو منطقة أو زعيم، وعندما تصبح الدولة مظلة لجميع أبنائها، لا أداة في يد طرف ضد طرف آخر.
أما عندما تتعدد مراكز الولاء، فإن الدولة تبدأ بفقدان قدرتها على اتخاذ القرار بصورة مستقلة، وتتحول المؤسسات تدريجياً إلى ساحات للتنافس بين القوى والنخب، ويصبح النفوذ الشخصي أو القبلي أو الديني أو المالي أكثر تأثيراً من النصوص القانونية والمؤسسات الدستورية.
ولعل صعود الحوثيين يقدم مثالاً واضحاً على خطورة تفكك مفهوم الدولة. فالجماعة، التي بدأت بإمكانات محدودة، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنتقل من نطاق جغرافي ضيق، من صعدة مروراً بدماج إلى عمران ثم صنعاء، وأن تتحول إلى طرف رئيسي في معادلة السلطة والحرب في اليمن.
لكن قراءة المشهد اليمني من الداخل وحده لا تكفي. فقد كان التباين في الرؤى الإقليمية أحد العوامل التي أسهمت في تعقيد الأزمة، فإذا لم تكن هناك إستراتيجية موحدة ومفهومة المعالم تذوب فيها الخلافات والتباينات لمصلحة العمق الإستراتيجي الخليجي والعربي فلن يخرج اليمن من قبضة الحوثيين ومن يقف وراءهم.
المطلوب اليوم هو تغليب المصلحة الأمنية والإستراتجية العامة على أي حسابات ضيقة قد تكون كلفتها مجحفة بحق من يري ويسبر الوضع بعينٍ واحدة. اليمن بحاجة اليوم وبشكل واضح وصريح إلى توافق إقليمي على دعم دولة يمنية موحدة وقوية، بالتوازي مع توافق يمني على شكل الدولة ومستقبلها.