العقوبات تحت الاختبار
تُعد العقوبات الاقتصادية إحدى أبرز أدوات السياسة الخارجية الأميركية، إذ تستخدم للضغط على الدول من دون الوصول مباشرة إلى الخيار العسكري. وتقدم تجربتا العقوبات على إيران وكوريا الشمالية نموذجين مهمين لفهم حدود هذه الأداة، فالدولتان خضعتا لعقوبات قاسية بسبب ملفات تتصل بالأمن والبرنامج النووي والصواريخ، لكن النتائج السياسية لم تكن دائماً بحجم الضغوط الاقتصادية المفروضة عليهما.
في الحالة الإيرانية، استهدفت العقوبات الأميركية، قطاعات حيوية وفي مقدمتها الملف النووي والنفط والقطاع المالي والمصرفي، إلى جانب أفراد وكيانات مرتبطة بملفات أمنية وعسكرية. وقد فرضت هذه العقوبات تكلفة اقتصادية واضحة على طهران وضيقت قدرتها على التعامل مع النظام المالي الدولي، إلا أن الضغط الاقتصادي لم يؤدِ وحده إلى إنهاء الملفات التي كانت أساساً لفرض العقوبات ولم يمنع استمرار سياسات إيرانية أثارت مخاوف دول المنطقة وما زال التصعيد مستمراً كما نرى.
أما كوريا الشمالية، فقد واجهت عقوبات أميركية ودولية واسعة بسبب برنامجها النووي والصاروخي ووصلت إلى درجة كبيرة من العزلة الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك، لم تؤد سنوات العقوبات إلى تخلي بيونغ يانغ عن برنامجها النووي، بل استمرت في تطوير قدراتها وإجراء التجارب الصاروخية، الأمر الذي يكشف عن حدود قدرة العقوبات وحدها على فرض تغيير إستراتيجي على الدول.
وهنا تظهر نقطة التشابه الأساسية بين التجربتين... العقوبات استطاعت رفع تكلفة السياسات التي تتبعها الدولتان، لكنها لم تنجح بمفردها في تغيير إرادتهما السياسية فهناك فارق كبير بين إضعاف اقتصاد دولة وبين إجبار قيادتها على تغيير حساباتها الأمنية والإستراتيجية.
في المقابل، هناك اختلاف مهم بين الحالتين، فكوريا الشمالية أكثر عزلة عن الاقتصاد العالمي ويرتبط التهديد الصادر عنها بصورة أساسية بأمن شبه الجزيرة الكورية وشرق آسيا. أما إيران، فإن موقعها الجغرافي وسياساتها الإقليمية يجعلان أي تصعيد مرتبطاً بها أكثر اتصالاً بأمن الخليج والممرات البحرية، وأسواق الطاقة وسيادة دول المنطقة ولهذا فإن الملف الإيراني يحمل بالنسبة لدول الخليج أبعاداً أمنية مباشرة لا يمكن تجاهلها.
ومن منظور شخصي، فإن قراءة العقوبات يجب أن تقوم على مدى قدرة هذه العقوبات على دفع الدولة المستهدفة إلى احترام القانون الدولي وسيادة الدول والابتعاد عن السياسات التي تهدد الأمن والاستقرار. فالكويت، انطلاقاً من تجربتها التاريخية ومبادئ سياستها الخارجية، تتمسك باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وفي الوقت نفسه تدعم الحوار والحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد.
وتكشف المقارنة بين إيران وكوريا الشمالية أن العقوبات تصبح أكثر فاعلية عندما تكون جزءاً من إستراتيجية سياسية متكاملة، لا عندما تتحول إلى هدف بحد ذاتها. فالضغط يحتاج إلى هدف واضح والدبلوماسية تحتاج إلى أوراق قوة وأي تخفيف للعقوبات ينبغي أن يرتبط بتغيير حقيقي وقابل للتحقق في السلوك الذي أدى إلى فرضها.
وفي النهاية، فإن التجربتين تقدمان درساً مهماً في السياسة الدولية، العقوبات تستطيع أن تضغط على الاقتصاد لكنها ربما لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار أو تغيير سلوك الدول، فالنجاح الحقيقي يقاس بمدى نجاح المجتمع الدولي في الحد من مصادر التهديد وحماية سيادة الدول وأمنها.