ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. عبدالرحمن الجيران

كيف سيعود؟

يتساءل الناس، إذا عاد مجلس الأمة فهل سيعود بحلته الجديدة أم سيرتدي الوشاح القديم بكل تداعياته؟ الجواب يتضح من خلال التطورات الأخيرة التي رسمت المعالم المبنية على أسس قوية وراسخة في تأكيد نظام الدولة ودستورها القائم على العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه.

المتابع لسير الأحداث العالمية منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى مطلع التاسع عشر، يجد تكرار رتمٍ واحد في (الشرق الأوسط) لرسم السياسات العامة للأقاليم، فهناك أبواق تم تصنيعها لتصعد إلى السماء لمحاولة التأثير في الجماهير سياسياً وثقافياً واجتماعياً وتربوياً، وما أشبه الليلة بالبارحة ولكنها سرعان ما تسقط وتختفي إلى الأبد!

والسؤال الآن هل كانت هذه المراحل متعاقبة فعلاً أم أن القوى الدولية والمحلية والإقليمية كانت تنتقل عمداً من بوق إلى بوق آخر عندما يفقد السابق قدرته على التأثير؟

هذه الفرضية يمكن اختبارها تاريخياً حالة بحالة بدل تحويلها إلى نظرية (مؤامرة عامة). ولعل الدرس الأهم في ذلك كله، هو أن الأبواق تعيش طالما أن النتائج تسندها ويرفدها الواقع من حيث ملامسة هموم المواطن (الكادح).

ولنذكر بعض الأمثلة لتوضيح المقصود، فمثلاً القومية العربية برزت مع أبواقها ودعاتها حِيناً من الدهر حتى استغلت الإسلام وأخذت النصوص التي تمجّد العرب وحدهم وأنهم شعب الله المختار وانساقت وراءها قطعان الجماهير ولكنها ضعفت بعد أن فشلت في تحقيق الوحدة العربية والتحرير وسقط شعار (نفطنا لنا) ثم برزت الأنظمة العسكرية و(الزعيم) مع نياشينه سقط هو الآخر وذهبت الشرعية عندما تحول الاستقرار والتنمية إلى جمود وقمع!

ثم جاءتنا ثالثة الأثافي (الإسلام السياسي) الذي تعرض للاختبار عندما انتقل في بعض الدول من (المعارضة والشارع الشعبي) إلى (الحكم والسلطة) فسقط سقوطاً مدوياً مع أبواقه.

ثم جاء الربيع العربي الذي بشرت به هيلاري كلينتون، ولكنه ورغم قساوته وضراوة ظروفه حيث... فقد جزءاً من بريقه الإعلامي والحماسي عندما عجزت الثورات عن إنتاج دول مستقرة بدل (دول فاشلة) فأصبح خطاب (المعارضة) على اختلاف صورها وأساليبها في عالمنا العربي والإسلامي يواجه الآن اختبار قوة الدولة ومتانة الاقتصاد ونتائج محاربة الفساد... ولهذا فإن البوق القادم الأكثر تأثيراً لن يكون صاحب الصوت الأعلى ولا التصويت الأكثر في صناديق الاقتراع ... بل صاحب النتائج الأفضل.

وبهذا نعرف هذه الحقيقة التي يجب ألّا تغيب عنا بأن لكل مرحلة أبواقها المناسبة لها... لكن الأخطر من البوق، الحالة التي تنتج ذلك البوق، ففي القرن التاسع عشر كان البوق هو الأدباء والشعراء والصحف والمسرح، وفي القرن العشرين أصبح الحزب والتلفزيون الرسمي... ثم الناشط السياسي والمحلل الإستراتيجي...

واليوم أصبحت (الخوارزمية الشبابية) و(الذكاء الاصطناعي) هو نافخ الكير الذي ينشر الأكاذيب ويهدم القيم والثوابت. وعندنا في الكويت أبواق وأصوات نشاز برزت على أنها معارضة (في الخارج) وتمثل الرأي الآخر ولكنها في الحقيقة غير ذلك... والحمد لله أن الشعب الكويتي واع بفضل الله...

أما غداً فلن تكون المعركة على من يملك المنبر بل على من يستطيع تشكيل وعي الإنسان قبل أن يصل إلى المنبر أصلاً. وهذا الذي يجب أن يكون محور اهتمام وزارات التربية والتعليم في عالمنا الواسع، ونرجو ألا كونوا في سُباتٍ عميق!

فالناس تحتاج إلى رموز تختصر الأفكار، وتحتاج إلى قادة ومفكرين ومصلحين ينزلون الميدان، ولكن المشكلة تبدأ عندما تحل صورة الشخص محل الفكرة، ويصبح الولاء لهؤلاء أهم من السؤال عن صحة ما يقولون!

وعندها يتحول الفكر إلى هتاف، والتاريخ إلى صور والسياسة إلى شعارات، والجمهور إلى صدى. فمنذ القرن الثامن عشر وحتى عصر الهاتف الذكي، هذا الوقت الذي مرّ سريعاً كومض البرق، فقد تغيرت الوجوه وتغيرت الرايات وتغيرت الأدوات. ولكن رتم الحياة ثابت لا يتغير وهو الدوران في فَلَك التبعية والتقليد! وعبادة الرموز!

ولكن ومع هذا نجد بواكير فجر جديد بشروق شمس العزة والكرامة في هذه الأمة، طالما -بحمدالله- قيادتها في جزيرة العرب. والجزيرة العربية كانت ولاتزال وستظل هي محور العالم بأمر الله تعالى.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓