ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم د. دانة العنزي

حين ينكسر الهدوء... من يدفع ثمن التصعيد؟

لم يكن الهدوء الذي شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية دليلاً على انتهاء الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، بقدر ما كان هدنة هشة أخرت المواجهة ولم تعالج أسبابها. فبعد نحو شهر من تراجع المواجهات المباشرة عادت الضربات الأميركية ضد أهداف إيرانية، وردت طهران عسكرياً لتدخل المنطقة مجدداً في دائرة من التصعيد يصعب التنبؤ بحدودها.

بدأت الجولة الأخيرة بعد استهداف الولايات المتحدة مواقع عسكرية إيرانية في جزيرة لارك. وأعلنت واشنطن ان العملية جاءت رداً على تهديدات مرتبطة بزرع الألغام في مضيق هرمز، وردت إيران باستهداف دول الخليج، وهنا انتقلت الأزمة مرة أخرى من مواجهة أميركية ـ إيرانية إلى تهديد مباشر للأمن الإقليمي.

السؤال الأهم هو، لماذا عاد التصعيد بعد فترة الهدوء؟ في تقديري الشخصي السبب الأول هو أن فترة الهدوء لم تنتج اتفاقاً سياسياً يعالج جذور الأزمة، فقد بقي الخلاف قائماً حول أمن الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات والضغوط الاقتصادية والملف النووي وشروط العودة إلى المفاوضات ومع غياب تسوية حقيقية أصبح أي حادث عسكري قادراً على إعادة الطرفين سريعاً إلى المواجهة.

أما السبب الثاني، فهو استمرار الولايات المتحدة في استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لإجبار إيران على تغيير حساباتها وفي المقابل، تحاول طهران الرد على هذا الضغط من خلال إظهار قدرتها على رفع تكلفة المواجهة إقليمياً، لكن توسيع دائرة الرد لتشمل أراضي دول الخليج والأردن، يمثل تطوراً خطيراً لأن دول المنطقة لا ينبغي أن تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران.

وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً مهما كانت الخلافات بين إيران والولايات المتحدة، فإن استهداف دول الخليج أو تهديد أراضيها ومنشآتها ومصالحها لا يمكن تبريره باعتباره مجرد رد على العمليات الأميركية، فسيادة دول الخليج وأمن شعوبها ليسا جزءاً من أوراق التفاوض بين الطرفين.

وقد عبرت الكويت بوضوح عن هذا المبدأ، إذ أدانت الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على دول عربية وخليجية واعتبرتها انتهاكاً للسيادة وتهديداً لأمن المنطقة، مؤكدة في الوقت نفسه أهمية احترام القانون الدولي وحل الخلافات بالوسائل السلمية.

أما التداعيات، فإن أخطرها هو احتمال تحول التصعيد المحدود إلى مواجهة إقليمية أوسع فكل ضربة تستدعي رداً وكل رد قد يفتح المجال أمام ضربة أكبر وهكذا تدخل المنطقة في حلقة يصعب إيقافها إذا غابت القنوات السياسية الفاعلة.

ويأتي أمن الطاقة والملاحة في مقدمة المخاطر، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي في أزمة سياسية وإنما شريان إستراتيجي للاقتصاد العالمي، وقد شهدت حركة السفن عبر المضيق بالفعل تراجعاً ملحوظاً مع ارتفاع مستوى التوتر .

وفي الوقت ذاته، فإن الردع وحده لا يصنع استقراراً دائماً، فالمصلحة الخليجية تقتضي منع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة مع التمسك الكامل بحق الدول في حماية سيادتها وأمنها.

إن ما يحدث اليوم يؤكد أن شهر الهدوء لم يكن نهاية للأزمة بل كان فاصلاً قصيراً بين جولتين، وما لم تتم معالجة أسباب الصراع فإن فترات الهدوء ستبقى موقتة وستظل المنطقة معرضة في أي لحظة للعودة إلى نقطة الصفر.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓