إيران في المنهج!
حين تتحول أحداث عام 2026 إلى صفحات في كتاب التاريخ للصف العاشر، فإن الكويت لا تسجل مجرد وقائع عابرة، بل تحفظ للأجيال فصلاً من ذاكرتها الوطنية، وتجربة وكفاحاً عملياً للتصدي للعدوان... وكذلك يوثق ما تعرضت له البلاد من تلك الاعتداءات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والتي طالت منشآت حيوية ومدنية ومرافق حكومية ومناطق سكنية، وأسفرت عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى، في مشهد أظهر بوضوح أن أمن الكويت وسيادتها ليسا عنوانين في الكتب، بل مسؤولية وطنية تتصل بحياة الناس واستقرار الدولة واستمرار مؤسساتها وحياتها، وإن إدراج هذه الأحداث في المناهج التعليمية يحمل دلالة تتجاوز حدود الكتاب المدرسي؛ فهو ينقل الواقعة من دائرة الخبر اليومي إلى دائرة التاريخ الموثق، ويمنح الأجيال المقبلة تغذية للذاكرة وفرصة لمعرفة ما جرى من مصادر تعليمية بعيداً عن الروايات المتضاربة والشائعات التي قد ترافق الأزمات والأحداث الكبرى. والأهم أن تدريس هذه المرحلة يجب ألا يتوقف عند تعداد الصواريخ والمسيّرات والأهداف التي تعرضت للاستهداف، بطريقة سردية بل ينبغي أن يضع الطالب أمام الصورة الأوسع... وكي يترسخ في ذهنه معنى سيادة الدولة!
وأيضاً كيف تتحرك مؤسسات الدولة وتتفاعل عندما يتعرض أمنها للخطر؟ وكيف يستطيع المجتمع أن يحافظ على تماسكه في لحظات القلق والأزمات ويقف صفاً واحداً؟
وهنا تتحول مادة التاريخ إلى درس في المواطنة ويتحول الحدث المؤلم إلى معرفة تعزز الوعي الوطني. كما أن توثيق الاعتداءات يفرض على المؤسسة التعليمية مسؤولية أخلاقية ومهنية في تقديم الوقائع بدقة والتمييز بين المعلومات الموثقة والروايات غير المؤكدة، وتعليم الطلبة التعامل مع المصادر الرسمية خصوصاً في عصر أصبحت فيه الصورة والمعلومة تنتشران خلال ثوانٍ، وقد تختلط فيه الحقيقة بالشائعة والتفسير بالواقعة ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي.
وكذلك فإن الأجيال الجديدة من حقها أن تعرف ما تعرض له وطنها، وأن تدرك حجم التحديات التي واجهتها الدولة والمجتمع، وأن تتعلم من تلك التجربة أن الوحدة الوطنية ليست شعاراً، وإنما قوة حقيقية تظهر عندما تواجه البلاد الخطر، وأن مؤسسات الدولة لا تُقاس أهميتها في أوقات الاستقرار فقط، بل تتضح قيمتها وفاعليتها وقياس أداء القياديين والموظفين المختصين في لحظات الأزمات.
وفي الوقت ذاته، فإن حفظ الذاكرة الوطنية لا يعني تحويل المناهج إلى مساحة للكراهية أو تحميل الشعوب مسؤولية سياسات حكوماتها؛ فالتربية الكويتية التي تستحقها الأجيال هي التي تجمع بين الاعتزاز بالوطن والتمسك بسيادته من جهة، واحترام الشعوب والقانون الدولي وقيم السلام من جهة أخرى.
من هنا فإن توثيق أحداث 2026 في كتاب التاريخ يمكن أن يكون أكثر من مجرد إضافة حديثة إلى المنهج. وبالمناسبة، لماذا الصف العاشر فقط؟ بل يجب أن يشمل كل الصفوف! بحيث تكون رسالة للأجيال بأن الأوطان تحفظ ذاكرتها بالعلم والتوثيق، وليس من التربويين فقط، ولكن حتى الاستفادة من تجربة كل جهاز حكومي واجه الخطر مباشرة ليكون المنهج غنياً بالمعلومات والصور وليس مجرد كلام إنشائي فقط!
والتأكيد أن ما يمر به المجتمع في لحظاته الصعبة يجب أن يتحول إلى معرفة يستفيد منها المستقبل. فالتاريخ ليس صفحات عن الماضي فقط، وإنما ذاكرة الشعوب ودرسها المستمر، ومن حق الكويت وأبنائها أن تبقى حقيقة ما تعرضت له موثقة، وأن يعرف الجيل القادم كيف واجه وطنه الخطر الإيراني ومن يواليه من ميليشيات وكيف حافظ المجتمع الكويتي على تماسكه، وكيف خرج من الأزمة أكثر وعياً بقيمة الأمن والسيادة والوحدة الوطنية.
والخلاصة، فإن الأحداث قد تنتهي، والصواريخ قد تتوقف، وصفارات الإنذار قد تصمت، لكن الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تصمت أبداً وتتحدث بكل طلاقة وثقة عبر الأجيال والأزمان. والله عزوجل المعين في كل الأحوال.