ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم كمال كبشة

محكمة التاريخ... والمتهم هو العالم

أعلنت محكمة التاريخ افتتاح جلستها الاستثنائية. لم تكن القضية ضد دولة بعينها، ولا ضد قائد أو حكومة، بل ضد عالمٍ كاملٍ شاهد المأساة، وامتلك أدوات منعها، ثم اكتفى بإصدار بيانات القلق.

وقف الجميع داخل القاعة. لم تُخصص مقاعد للقوى الكبرى، ولم تُرفع أعلام فوق المنصة؛ فالتاريخ لا يعترف بحق النقض، ولا يمنح أحداً حصانة دائمة.

سأل القاضي: من المسؤول عن الحروب التي تُشعلها المصالح ثم يدفع الأبرياء فاتورتها؟

تقدّم ممثلو الدول الكبرى بأوراقهم المعتادة: الأمن القومي، الضرورات السياسية، موازين القوى، وحماية المصالح. كانت المبررات كثيرة، لكن لم يكن بينها ما يعيد طفلاً إلى مدرسته، أو أسرةً إلى بيتها، أو الحياة إلى مستشفى تحول إلى ركام.

ثم فتح القاضي ملف العدالة الدولية. وجد مواثيق أنيقة، ومحاكم رفيعة، وخطباً تتحدث عن حقوق الإنسان؛ لكنه وجد أيضاً أن القانون يصبح صارماً أمام الضعفاء، ومرناً أمام الأقوياء. فسأل: إذا كانت المبادئ واحدة، فلماذا تتغير العدالة كلما تغير اسم الضحية أو هوية الجاني؟

ساد الصمت. فالمتهم هذه المرة لم يكن فرداً يمكن التضحية به، بل نظاماً دولياً أتقن إدارة المآسي أكثر مما أتقن منعها؛ يرسل المساعدات بعد الدمار، ويطالب بضبط النفس بعد سقوط الضحايا، ويبحث عن التسوية بعدما تنتهي المدن.

أغلق القاضي الملف، وقال: لن يصدر الحكم اليوم؛ فالتاريخ لا يستعجل أحكامه، لكنه لا يُسقط الجرائم بالتقادم، ولا يبرئ من امتلك القوة لمنع المأساة ثم اختار الوقوف في مقاعد المتفرجين.

رُفعت الجلسة، لكن بقي سؤال واحد معلّقاً فوق العالم: عندما يكتب التاريخ شهادته الأخيرة، هل سيقول إننا عجزنا عن حماية الإنسان... أم أننا استطعنا، لكننا لم نرغب؟

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓