ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم د. محمد المقاطع

تحقيق مقتضيات الديموقراطية!

تحقيق مقتضيات الديموقراطية!

يتوارى الكثير من السياسيين والنخب السياسية، في الكويت وربما في دول أخرى، خلف كواليس تغييب الحقيقة، رغم معرفتهم الكاملة بتلك الحقيقة، حقيقة يخشون من الحديث عنها أو يتكسّبون من خلال إخفائها، أو يجعلونها بضاعة للمساومة حينما يحيدون عنها أو يتظاهرون بعدم فهمها، أو ربما لهم أغراض أخرى شخصية أو مصلحية أو حزبية في تجاهلها أو القفز عليها.

والحقيقة هي أن النظام البرلماني والنظام الانتخابي الكويتي، مثل العديد من الأنظمة، يعانيان اختلالات هيكلية وإشكاليات تنحرف به عن السبيل القويم للديموقراطية وتحقيق مقتضيات المشاركة الشعبية وتداول السلطة التشريعية ومقاعدها والحياد الديموقراطي.

والحقيقة أن الأنظمة البرلمانية والنظم الانتخابية التي في معيّتها فاسدة ومفسدة للممارسة الديموقراطية ومُخرجاتها وتشوبها عوائق وعقبات تبتسر التمثيل الديموقراطي القويم، وتتحكم في نُظمه الانتخابية بآلية توزيع للدوائر على أسس جغرافية أو إثنية أو عرقية أو إدارية بمنطلق تحكُّمي وليس «مجرداً»، مما يجعلها مشوهة وفاسدة، فهي بُنيت على تكريس «توريث المقاعد النيابية» بإجراءاتها وآلياتها التي تضمن «التمثيل النمطي» في البرلمان من «مكونات طائفية أو عرقية أو عائلية أو جغرافية»، ومما يزيد الفساد أن الترشّح - في معظم الأنظمة - ليس له سقف محدد، مما يهدر «فكرة تداول السلطة التشريعية» والتمثيل الديموقراطي المتغيّر، بل إن التقسيم النمطي «التحكمي» للدوائر، يجعل «المكوّن الديموغرافي الفئوي والجغرافي محتكراً»، من فئة اجتماعية معيّنة أو مجموعة عرقية أو مكوّن طائفي.

وتنص المادة ٦ من الدستور الكويتي على أن «نظام الحكم في الكويت ديموقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبيّن بهذا الدستور»، فالإشكال الحقيقي في تطبيق هذا النص وما يماثله.

إن تمثيل الأمة صاحبة السيادة قد «حجب حقها» وجُرّدت من تمثيلها تمثيلاً عادلاً، وصودرت فكرة تداول السلطة التشريعية ومقاعدها، وهي جوهر النظم الديموقراطية، «فلا ديموقراطية بلا تداول للسلطة التشريعية»، سواء كان تداولاً قانونياً أو واقعياً أو كليهما!

فتمثيل الأمة يكون منقوصاً بنظام انتخابي يتيح مشاركة نحو ٥٠ في المئة؜ من الناخبين أو أقل، وهم في الأصل يمثّلون أقل من ٣٠ بالمئة؜ من الشعب بمفهومه السياسي (مَن يحق لهم الانتخاب)، ومن بين هذه الأقلية للناخبين (٥٠ بالمئة)؜ نجد أن الدوائر الانتخابية تضم ما لا يزيد على ١٢ بالمئة؜ من أولئك الناخبين، فإذا كانت نسبة أصوات النجاح لا تزيد على ٩ بالمئة؜ من الأصوات في الدائرة، وتتقلص إلى نسبة ٢.٥ بالمئة؜ في أحوال كثيرة، يصبح التمثيل صورياً، وإذا كانت غالبية تلك الأصوات قادمة من مكوّن عرقي أو إثني أو قبَلي أو عائلي أو طائفي واحد كان ذلك ابتساراً لتمثيل الأمة!

وتزيد حدة ذلك حينما تكون خيارات الناخبين بين مرشحين مكررين للترشيح أو حازوه بالتوريث ممن سبقهم، فتصبح الديموقراطية شكلية بتمثيل مجاميع أو فئات بعينها، ومحتكرة من وجوه وشخصيات متكررة أو من ورثتهم، وحينها يصبح تمثيل الأمة معدوماً، وتتبدد فكرة تداول السلطة التشريعية ومقاعدها، ولا حجّة لمن يقول هذه هي الديموقراطية، والشعب هو الذي يختار! فهذه الحجة تكون صحيحة لو أن النظام الانتخابي تم تخليصه من عوامل التكوين المسبق والمحدد للناخبين، وكذلك لو أخضع الترشيح لفكرة التداول المستمر للمقاعد النيابية بدل احتكارها والتحكم بها من وجوه متكررة بجعل مدة العضوية محددة بدورتين، أو بحد أقصى ١٠ سنوات مثلاً.

وعليه، فإن إصلاح النظام الانتخابي بتخليصه من كل تلك العيوب والمثالب هو ما يجعل النظام الديموقراطي قويماً.

ولذا، فإن الدوائر اللاجغرافية المبنية بتكوين عشوائي بالقرعة قبل فترة كل انتخابات على أساس يوم ميلاد الشخص تحقق ذلك، ويجب أن يقرر قانون الانتخاب أن مدد الترشيح لدورتين أو ثلاث أو حد أقصى ١٠ سنوات ليحقق مقتضيات تمثيل الأمة وتداول السلطة التشريعية، ومثل هذا النظام يجعل الدوائر محايدة بلا تأثير من أي طرف وإرادة الناخبين خالية من الضغوط العائلية أو الفئوية أو السياسية أو المالية، ومن ثم يتم غلق منافذ فساد النظام الانتخابي والنظام الديموقراطي في آنٍ واحد.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓