عدنان زيد الكاظمي... رحل المثقف وبقي القلم وفياً للوطن
رحل عن هذه الدنيا الفانية إلى الدار الآخرة الباقية الأستاذ عدنان زيد الكاظمي، رحل الرجل الخلوق، والمثقف الذي تسلح بالقلم، وتوشح بالمعرفة، وعاش وفياً لوطنه وأهله وقيمه. رحم الله أبا نزار، وأسكنه فسيح جناته.
ليس سهلاً أن تكتب عن صديق رحل، وأن تحاول أن تجمع في كلمات قليلة سيرة رجل عرفته قرابة ثلاثة عقود. فبعض الرجال حين يرحلون لا يتركون وراءهم فراغاً فحسب، بل يتركون في الذاكرة مكاناً لا يملؤه أحد، وفي القلب حزناً لا تكفي الكلمات للتعبير عنه.
عرفت أبا نزار منذ نحو 30 عاماً، وكانت البداية علاقة جمعتنا بها الصحافة والقلم، ثم تطورت تلك العلاقة مع الأيام إلى صداقة ومودة، وزيارات متبادلة، ثم مصاهرة جمعت بيننا روابط الأسرة إلى جانب روابط الصداقة.
ولذلك، فإن ما أكتبه اليوم ليس مجرد كلمات رثاء لرجل عزيز رحل، وإنما هو شهادة حق في رجل عرفته عن قرب، وخبرت أخلاقه، ولمست صدقه ووفاءه، وعرفت مقدار حبه لوطنه وأهله.
وكيف لا يكون عدنان كذلك، وهو ابن المرحوم زيد الكاظمي، الذي كان عضواً في مجلس الأمة في عامي 1963 و1967... فقد نشأ أبو نزار في بيت عريق في الثقافة والسياسة والأخلاق والطيبة والكرم والعزيمة، وكان لذلك البيت أثره الواضح في تكوين شخصيته، وفي القيم التي حملها معه طوال حياته.
كان أبو نزار رجلاً عركته الحياة، وعاصر أجيالاً متعاقبة من أبناء الكويت، وشهد التحولات الكبرى التي مرت بها البلاد في مرحلة ما بعد النفط وبدايات الدولة الحديثة. ومع ذلك، بقي كما عرفته، بسيطاً في تعامله، عميقاً في فكره، متواضعاً في حضوره، كريماً في مشاعره، وصادقاً في علاقاته. لقد كان، رحمه الله، من خيرة الرجال سيرة وسريرة، وأطيبهم مجلساً، وأكثرهم تواضعاً. وكان مجلسه يجمع بين المعرفة والألفة، وبين النقاش الجاد وروح الصداقة.
إن أكثر ما كان يلفتني في أبي نزار علاقته بالكتاب. ففي مكتبته العامرة بأمهات الكتب، كان يعيش مع الكتاب وكأنه يعيش مع صديق قديم. كان يتبادل العشق مع الصفحات، ويغوص في المفردات والعبارات، ويتوقف طويلاً عند المعاني والدلالات. لم يكن قارئاً عابراً يبحث عن مجرد الاطلاع، بل كان قارئاً متأملاً ومتدبراً، يريد أن يعرف ما أراد الكاتب أن يقوله، وما لم يقله، وما الذي يختبئ خلف الكلمات من أفكار ودلالات. كان يحاول أن يحاكي عقل الكاتب، وأن يسبر أغوار النص، وأن يصل إلى ما وراء ظاهره، دون أن يحمله ما لا يحتمل، أو يفرط في تأويله إلى حدود تبتعد عن مقصده. وهذه، في تقديري، واحدة من أجمل خصال المثقف الحقيقي، أن يقرأ بعقل مفتوح، وأن يحترم النص، وأن يبحث عن المعنى لا عن الانتصار لرأي مسبق.
ولذلك، لم تكن مقالات أبي نزار مجرد كلمات تُكتب في صحيفة ثم تمضي مع الأيام. ففي كثير من المقالات التي كتبها قبل أكثر من أربعة عشر عاماً، لا تزال كلماته حاضرة، وكأنها أجراس إنذار تقرع في الذاكرة كلما عاد الوطن إلى مواجهة الأسئلة نفسها.
كان شعاره الذي اختاره لمقالاته «الحقيقة... صديق أعظم»، وما أصدق هذا الشعار في التعبير عن صاحبه. فالحقيقة عند أبي نزار لم تكن مجرد عنوان لمقال، وإنما كانت موقفاً، ومسؤولية، وواجباً يراه المثقف تجاه وطنه ومجتمعه.
ومن روائع ما كتب مقاله المعنون «بيع وطن» بتاريخ 25 يناير 2012، الذي حذر فيه من تبعات تفاقم الفساد، ومن المخاطر التي يمكن أن تهدد الوطن عندما تتراجع المصلحة العامة أمام المصالح الخاصة. ثم كتب مقاله «الوطن إلى أين؟» في أبريل 2012، وهو مقال يبدو، رغم مرور سنوات طويلة عليه، وكأنه يستعرض أسئلة ما زالت مطروحة أمامنا. يقول فيه، «بعد أن ادلهمت الخطوب، واشتعلت نيران الفتنة العمياء التي تلوح في الأفق، وتأججت نيرانها، وانزوت النفوس الأبية، تترقب ما هو آت، لنا أن نتساءل بخوف وقلق: الوطن إلى أين؟» ثم يمضي محذراً من أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات فئوية وحزبية وطائفية، ومن أن تتقدم المصالح الآنية على مصالح الوطن، وأن تتراكم مشكلات التنمية والبنية التحتية حتى تصبح أعباؤها أثقل على الأجيال القادمة. ويصل في مقاله إلى صرخة وطنية واضحة حين يقول: «لقد أصبحت القضية حياة وطن أو موته لا سمح الله.. علينا أن نتمسك بكيان الوطن المنهك.. ونحافظ على مكتسباته.. وإن تضاءلت، وننمي عوائد ثرواته وإن تناقصت.. أو تلاشت وذابت، من وراء سوء استخدام عائدات ثروتنا.»
وكان تحذيره من الفتنة واضحاً حيث يراها الخطر الأكبر الذي يمكن أن يداهم الأوطان. ففي مقاله «صناعة الفتنة والموت»، المنشور في 28 فبراير 2012، حذر من مخاطر الكذب والتدليس والغش والتلاعب، ومن العوامل التي يمكن أن تجعل دول المنطقة ومجتمعاتها أكثر هشاشة أمام الفتن والصراعات.
كان يدرك أن منطقتنا محاطة بعوامل تفجر كثيرة، وأن اللعب على أوتار الدين والطائفية والعنصرية والقبلية يمكن أن يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
وفي لمسة وطنية صادقة، ختم مقاله «العبث السياسي»، المنشور في 5 أغسطس 2012، بعبارة تحمل كثيراً من القلق على الوطن، وكثيراً من الحب له: آه... إنها صرخة من قلوب مؤمنة... تحرص على تجنيب البلاد مزالق المخاطر والمؤامرات الخارجية التي تدفع الملايين من أوساخ الدنيا الفانية... لهدم مداميك البلاد وأوتادها، وتهيئة الساحات للمزيد من الهدم والقضاء على الوطن الغالي.
كان أبو نزار يكتب لأنه كان يؤمن أن الوطن يستحق أن يدافع عنه بالكلمة، وأن المثقف لا يستطيع أن يقف متفرجاً عندما يرى الخلل يتسع، أو عندما يشعر أن الوطن يمضي نحو منطقة من المخاطر.
قد نختلف مع بعض آرائه أو نتفق، وقد تتغير الظروف والأحداث، لكن ما يبقى ثابتاً هو صدق الدافع ونبل المقصد. لقد كان يكتب من قلب رجل يحب وطنه، ويخاف عليه، ويرى أن للكلمة مسؤولية، وأن القلم ليس وسيلة للظهور، وإنما أمانة.
واليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر أنني لا أرثي صديقاً فحسب، وإنما أرثي جزءاً من ذاكرة جيل. فبعض الأشخاص لا نكتشف حجم حضورهم في حياتنا إلا بعد غيابهم. وعندما يرحلون، نعود إلى صورهم القديمة، إلى مجالسهم، إلى ضحكاتهم، إلى كلماتهم، فنكتشف أن الأشياء الصغيرة التي لم نكن نلتفت إليها كانت هي، في الحقيقة، أجمل ما تركوه لنا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في رجل عاش للثقافة والقلم والوطن، أن غيابه لم يستطع أن يأخذ حضوره. فالموت يأخذ الجسد، لكنه لا يستطيع أن يأخذ الأثر. وها أنا اليوم، بعد نحو 30 عاماً من المعرفة والصداقة، أجدني أكتب عن أبي نزار وقلمي مثقل بالحزن، وكأنني أحاول أن أستعيد بالكلمات بعضاً من حضور رجل لن تعود به الكلمات. كان صديقاً عزيزاً، وأخاً كريماً، ومثقفاً أصيلاً، ورجلاً بقي وفياً لما آمن به.
رحمك الله يا أبا نزار. رحم الله الإنسان الخلوق، والصديق الوفي، والمثقف الذي أحب الكتاب، والصحافي الذي آمن بالكلمة، والمواطن الذي حمل هم وطنه في قلبه وقلمه.
رحلت إلى دار الحق، وتركت خلفك ذكريات لا تموت، وكلمات لا تزال تقول لنا إن الوطن أكبر من خلافاتنا، وإن الحقيقة أثمن من المصالح، وإن القلم يمكن أن يكون شاهداً على زمنه، وضميراً حين تصمت الضمائر. نم قرير العين يا أبا نزار، فقد بقي لك بيننا قلم يذكرك، وكتاب يحفظ أثرك، وقلوب تفتقدك، ووطن أحببته حتى آخر العمر.