ايران في العقيده الاستراتيجيه لنتانياهو.. من التهديد النووي الي اعاده تشكيل الشرق الاوسط

لم تعد المواجهه الايرانيه الاسرائيليه مجرد خلاف حول البرنامج النووي او النفوذ الاقليمي، بل اصبحت جزءا من صراع اوسع علي مستقبل الشرق الاوسط وموازين القوي فيه. فالمساله تتجاوز الحسابات العسكريه المباشره لتشمل اعاده تشكيل البيئه السياسيه والاقتصاديه والامنيه لمنطقه تمتلك ثروات هائله وموقعا جغرافيا يربط اسيا باوروبا وافريقيا. ولفهم الرؤيه الاسرائيليه، لا بد من العوده الي كتاب بنيامين نتانياهو «مكان بين الامم: اسرائيل والعالم» الصادر عام 1993، الذي يعرض تصوره لمكانه اسرائيل الدوليه ومتطلبات امنها وعلاقاتها الاقليميه. كما يقدم كتابه «بيبي: قصتي» الصادر عام 2022 روايته الشخصيه لمسيرته السياسيه وتطور رؤيته للتحديات الامنيه والاستراتيجيه. وتتيح قراءه الكتابين معا فهم بعض المرتكزات الفكريه التي شكلت مواقفه تجاه ايران ومحيط اسرائيل. لقد اصبحت ايران، في خطاب نتانياهو السياسي، احد ابرز التحديات الاستراتيجيه لاسرائيل، خصوصا في ملفات البرنامج النووي والصواريخ الباليستيه والنفوذ الاقليمي. غير ان السؤال الاهم هو ما اذا كانت المواجهه تستهدف احتواء هذه التهديدات فقط، ام انها ترتبط ايضا بتصور اوسع لاعاده ترتيب موازين القوي في الشرق الاوسط. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الشرق الاوسط الجديد» باعتباره عنوانا لمشروعات وتصورات تتداخل فيها المصالح السياسيه والامنيه والاقتصاديه. فالمنطقه ليست مجرد ساحه للصراعات، بل مركز عالمي للطاقه، ومخزون استراتيجي من النفط والغاز والموارد الطبيعيه، اضافه الي امتلاكها ممرات بحريه بالغه الاهميه، ابرزها مضيق هرمز وباب المندب وقناه السويس. وتمنح هذه الجغرافيا المنطقه تاثيرا مباشرا في حركه التجاره والطاقه العالميه. كما ان مشروعات الربط الاقتصادي، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الاوسط واوروبا، تعكس اهميه المنطقه في رسم مسارات التجاره المستقبليه. ومن هنا، لم يعد التنافس محصورا في النفوذ العسكري والسياسي، بل امتد الي الموانئ وشبكات النقل ومصادر الطاقه والموارد البحريه والقدره علي التحكم في تدفق التجاره بين القارات. لكن وسط هذه التحولات يبرز تساؤل خليجي جوهري: لماذا تمتد التهديدات الايرانيه الي دول مجلس التعاون، رغم انها لم تدخل في اتفاقيه دفاع مشترك مع اسرائيل، ولم تكن طرفا في الحرب ضد ايران، بل سعت الي تجنب التصعيد ومنع استخدام اراضيها واجوائها في عمليات عسكريه هجوميه؟ يمكن فهم جانب من الموقف الايراني من خلال محاولتها توسيع كلفه المواجهه علي الولايات المتحده، عبر استهداف مصالحها وقواعدها العسكريه في المنطقه. الا ان هذا المنطق لا يبرر المساس بسياده الدول الخليجيه او استهداف منشاتها الحيويه والمدنيه. فوجود قواعد امريكيه علي اراضي دوله خليجيه لا يعني تلقائيا مشاركتها في العمليات العسكريه، ولا يسقط حقها في الحمايه من اي اعتداء. وتكمن خطوره هذه المعادله في ان استهداف منشات الطاقه والمياه والمطارات والموانئ لا يهدد الامن الوطني الخليجي فحسب، بل ينعكس علي الاقتصاد العالمي وامن الامدادات وسلاسل التجاره الدوليه. ان الشرق الاوسط يقف اليوم امام مفترق استراتيجي: اما ان تتحول ثرواته وموقعه الجغرافي الي قاعده للتكامل الاقتصادي والتنميه والاستقرار، او يصبح التنافس علي موارده وممراته سببا في اعاده انتاج الصراعات وتوسيع دوائر عدم الاستقرار. وبالنسبه للكويت ودول مجلس التعاون، فان المرحله تتطلب تعزيز التكامل الدفاعي، وحمايه المصالح البحريه والاقتصاديه، وتطوير قدرات الردع والانذار المبكر، وتنويع الشراكات الدوليه، مع المحافظه علي استقلال القرار السياسي والدور الدبلوماسي. فالشرق الاوسط الجديد لا ينبغي ان يبني علي حساب سياده دوله، ولا ان تتحول ثرواته وممراته الي ادوات للصراع والنفوذ؛ فالمعركه الحقيقيه ليست فقط علي امتلاك القوه، بل علي من يمتلك القدره علي صياغه مستقبل المنطقه وتحديد موقعها في النظام العالمي. د. عبدالمحسن احمد العنجري
نشر تحليل استراتيجي لد. عبدالمحسن احمد العنجري حول رؤية بنيامين نتانياهو لإيران