اقبال الاحمد

التفتت الي مبتسمه بحياء، وفي ابتسامتها شيء من الدلالات المقصوده، وقالت: «انت لا تعلقين علي ما يدور في هذا الحوار؟». بادلتها الابتسامه، وهززت راسي بهدوء، وكانني اوافق علي ما تضمره في تساؤلها، رغم انني كنت علي يقين بان كثيرا مما اسمعه من النقاش لا يمت الي الحقيقه بصله. قلت لها: «حين يتحول الحوار الي مزاد للمعلومات، يتسابق فيه البعض علي سرد ما سمعوا وما نقلوا وما يعتقدون انهم يعرفون، افضل ان التزم الصمت». ليس لانني لا املك ما اقوله، ولا لانني اجهل حقيقه ما يدور، بل لانني تعلمت انه ليس كل حديث يستحق المشاركه، ولا كل معلومه خاطئه تستحق معركه لتصحيحها، ولا كل من يتحدث يريد ان يعرف. هناك من يناقش ليصل الي الحقيقه، وهناك من يناقش ليثبت انه وحده يملكها. وبين الاثنين مسافه شاسعه، لا تختصرها قوه الحجه ولا كثره الادله. بعض الحوارات تبدا بتبادل الاراء، ثم تتحول تدريجيا الي منافسه علي من يعرف اكثر، ومن يرفع صوته اعلي، ومن تكون له الكلمه الاخيره. عندها تضيع الحقيقه وسط ضجيج الكلمات، ويصبح الانتصار للنفس اهم من الانتصار للمعلومه. وهنا اسال نفسي: ما جدوي ان استهلك وقتي واعصابي في اقناع انسان لا يريد الاقتناع؟ وما قيمه المعلومه الصحيحه اذا كان من يسمعها قد اغلق عقله قبل ان افتح فمي؟ وهنا يتوجب علي القول ان الصمت ليس فضيله في كل الاحوال. فكما ان هناك وقتا يكون فيه الصمت حكمه، وهناك وقت يصبح فيه تقصيرا. علينا ان نتحدث عندما تكون الحقيقه معرضه للتشويه، وعندما يؤدي انتشار المعلومه الخاطئه الي ظلم انسان، او الاساءه الي سمعه، او تضليل مجتمع، او اتخاذ قرار يضر بالاخرين. وعلينا ان نشارك عندما نجد امامنا عقولا تسال لتفهم، واذانا تستمع لا لترد، بل لتتعلم. فالحوار الحقيقي ليس امتحانا للثقافه، ولا استعراضا للمعلومات، وانما فرصه ليضيف كل منا شيئا الي معرفه الاخر. وحين ندرك ان الطرف المقابل لا يبحث عن الحقيقه، بل عن استدراج المستمعين الي التفاعل وانتزاع تصفيق الحاضرين، وانه لا يسمع الا صوته، فالافضل ان ننسحب من الجدل، ونكتفي برصد مزاد المعلومات من دون اقتناع بما يطرح. ولعل اكثر ما تعلمته علي مر السنوات ان امتلاك المعلومه لا يفرض علينا اعلانها في كل مجلس، وان المعرفه لا تفقد قيمتها اذا احتفظنا بها لانفسنا، وان الانسان الواثق مما يعرف لا يحتاج الي اثبات ذلك في كل مناسبه. كم من نقاش خرجنا منه مرهقين دون ان نغير قناعه واحده! وكم من صمت اختصر علينا ساعات من الجدل العقيم، حافظنا فيه علي الود، وابقينا للاحترام قيمته! لكنني اؤمن ايضا بان الحكمه ليست في ان نصمت دائما، بل في ان نعرف متي نتكلم، ومع من، وكيف نتكلم، ومتي نختصر ومتي نسهب، ومتي نكتفي بجمله واحده ثم نغادر. ليس المطلوب ان نربح كل نقاش، ولا ان نصحح كل خطا، ولا ان نقنع كل انسان بما نعرفه، بل المطلوب الا نسمح للجدل بان يسلبنا هدوءنا، ولا للصمت بان يجعلنا شركاء في تضليل الاخرين. في النهايه، هناك فرق شاسع بين قوه الانسان وقدرته علي الرد، وبين قدرته علي التمييز بين موقف يستحق الكلام واخر لا يستحق ان نخسر من اجله هدوءنا. ولهذا، عندما يسالني احدهم مره اخري: «لماذا لا تشاركين في الحديث؟»، سابتسم واقول: «لانني تعلمت ان بعض الحوارات تثري عقولنا اذا شاركنا فيها، وبعضها نحافظ علي عقولنا اذا ابتعدنا عنها». * * * بغض النظر عن سبب اطفاء الانوار في محيط المستشفيات، فان الاضاءه مطلوبه في بعض المواقع، مثل المواقف التي تغرق في ظلام دامس يثير الخوف. كما يصعب رؤيه العلامات الارشاديه وارقام البوابات من دون الاستعانه باضاءه الهواتف المحموله او غيرها. اقبال الاحمد
نشر مقال رأي حول آداب الحوار