اليسار والاخوان وقوس قزح!

كيف يمكن ليساري متطرف في اوروبا يناضل ضد تدخل الكنيسه في السياسه، ويدافع عن حقوق المراه والمثليين والحريات الفرديه، ان يقف متضامنا مع جماعه اسلاميه محافظه كالاخوان المسلمين، تتبني مشروعا سياسيا يقوم علي مرجعيه دينيه؟ هذا التناقض ليس مجرد مفارقه سياسيه عابره، بل تحول عميق في طريقه تفكير بعض تيارات اليسار الغربي المعاصر. تاريخيا، قام اليسار علي فكره التحرر من اشكال الهيمنه، سواء كانت اقتصاديه او طبقيه او دينيه. وكان نقد السلطه الدينيه جزءا اساسيا من معركته دفاعا عن حريه الانسان واستقلاله. لكن قطاعات من اليسار الراديكالي انتقلت تدريجيا من التركيز علي الصراع الطبقي الي سياسات الهويه ومناهضه الاستعمار والهيمنه الغربيه، نتيجه اسباب كثيره لا داعي للوقوف عندها هنا لضيق المجال. اصبح السؤال عند اليسار ليس: ما المبادئ التي تدافع عنها هذه الحركه؟ بل: ضد من تقف هذه الحركه؟ وهنا تبدا المشكله، فالاخوان المسلمون واليسار الراديكالي لا يجتمعون علي تصور واحد للحريه او المساواه او طبيعه الدوله. بل ان بينهما اختلافات جوهريه يصعب تجاوزها. لكنهما قد يلتقيان في معارضه السياسه الامريكيه واسرائيل والنفوذ الغربي. وهكذا اصبح الخصم المشترك اقوي من التناقض الفكري، وتحولت السياسه من صراع حول المبادئ الي اصطفاف بين المعسكرات. بسبب الهوس بسياسات الهويه، بدا بعض اليساريين بالتعامل مع الاسلام السياسي باعتباره امتدادا طبيعيا للمجتمعات المسلمه المضطهده او المهمشه. وهنا حدث خلط بين الدفاع المشروع عن المسلمين ضد العنصريه، وبين الدفاع عن التنظيمات السياسيه التي تدعي تمثيلهم، كحركه الاخوان المسلمين، فانتقاد الاخوان المسلمين ليس بالضروره انتقادا للاسلام، كما ان رفض مشروعهم السياسي لا يعني العداء للمسلمين. في المقابل، لا يخلو موقف الاسلاميين من حسابات براغماتيه. فالحركات الاسلاميه المحافظه تريد التعاون مع قوي علمانيه ويساريه في الغرب، بل قامت بذلك بالفعل، رغم اختلافها معها حول قضايا اجتماعيه اساسيه. وما يبدو تناقضا فكريا تحول بالفعل الي فرصه سياسيه: اليسار يحصل علي حلفاء في معاركه الاحتجاجيه، والاسلاميون يحصلون علي مساحات اضافيه للحضور والشرعيه السياسيه. الاختبار الحقيقي لهذا التحالف في اعتقادي يظهر عند الحديث عن الحقوق والحريات، فاذا كان اليساري يرفض فرض القيم المسيحيه المحافظه علي المجتمع الاوروبي، فلماذا لا يطبق المعيار نفسه علي مشروع اسلامي محافظ؟ وهل تصبح حريه المراه والمساواه وحقوق الاقليات قضايا ثانويه عندما يكون الطرف الذي يهددها محسوبا علي معسكر مناهضه الامبرياليه؟ بالطبع، ليس كل يساري متضامن مع الفلسطينيين مؤيدا للاخوان او لـ«حماس»، وليس كل دفاع عن المسلمين تحالفا مع الاسلام السياسي. لكن هذا التمييز الضروري لا يلغي وجود تحالفات سياسيه فعليه تستحق النقد والمساءله. المشكله في النهايه ليست ان اليسار يتحالف مع من يختلف معه؛ فالسياسه تعرف التحالفات المؤقته. المشكله تبدا عندما يتحول التحالف السياسي الي صمت فكري وانتهازيه. ان لجوء اخوان اوروبا وامريكا للتحالف مع قوي يساريه تدافع عن قيم تحاربها هي نفسها في مجتمعاتها الاصليه هو انتهازيه مفضوحه؛ انتهازيه تصبح فيها المبادئ مجرد اداه للمصلحه: تطالب بالحريات حين تحتاج اليها، وتتحفظ عليها حين تصبح عائقا امام مشروعها السياسي. د. محمد الوهيب
نقد التحالف السياسي بين اليسار والإخوان المسلمين