وهم قاطره الحضاره

اختيار فلسطين لتكون «وطنا قوميا لليهود»، اوروبا بالذات، لم يكن قرار فرد، بل جاء عبر مسار تاريخي وسياسي تشكل في نهايات القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، وبرز كحركه سياسيه، وتبنته بريطانيا انذاك، من خلال وعد بلفور، ثم اضفيت عليه الصفه «الدوليه» عبر المؤتمرات والامم المتحده، علما بان بدايه الفكره وتنظيمها كانت في المؤتمر الصهيوني الاول في بازل، السويسريه، في اغسطس 1897، بقياده الصحافي «تيودور هيرتزل». كانت الفكره بسيطه، بالرغم من طابعها الاستعماري البشع، وتمثلت في قيام الحركه الصهيونيه بنفس الافعال التي سبق ان قامت به القوي الاستعماريه الاوروبيه، من بريطانيه وفرنسيه وبلجيكيه وغيرها، والتي تمثلت في اختيار ارض وشعب، والسعي لاحتلاله، وقتل اكبر عدد منه، واحلال اعداد كبيره من شعوبهم، خاصه من اصحاب السوابق والمساجين والعاطلين عن العمل، مكانهم، كما حصل في استراليا وجنوب افريقيا، وناميبيا، والكونغو، ونيوزيلندا، والولايات المتحده، وغيرها، وهذا ضمن للحركه الصهيونيه عدم اعتراض القوي الاوروبيه علي ما ستقوم به، من جانب اخلاقي علي الاقل، لانها سبق وان قامت بمثله. كما ان خروج اليهود من اوروبا كان مطلب الكثير من سياسيي اوروبا في حينه (من منطلقات معاداه الساميه)، ولا تزال هذه المشاعر حيه بينهم. ما يدحض بقوه خرافه ان فلسطين كانت دائما «ارض الميعاد»، ما جري في المؤتمر الصهيوني الاول من نقاش قوي وجاد تعلق في اختيار «الوطن الافضل»، الذي سيتم تهجير يهود اوروبا له، وكانت الاراء تتراوح بين الارجنتين او اوغندا، قبل ان «يقع الاختيار» علي فلسطين، لتكون، مصادفه، «ارض الميعاد». ثم عقد مؤتمر «سان ريمون»، وقبلها «وعد بلفور»، ليعطي الاشاره لبريطانيا لتسهيل هجره يهود اوروبا الي فلسطين، وتاليا صدور قرار تقسيمها، من قبل الامم المتحده، عام 1947، واعلان اليهود قيام دولتهم عام 1948. تضمن كتاب «وهم الحضاره الغربيه»، منشورات تكوين، حجم الاباده الجماعيه، التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، وكانت اخرها في غزه. وبين «حميد دباشي»، مؤلف الكتاب، حيثيات الامتحان الذي سقطت فيه الحضاره الغربيه، والحلف القذر، بين الطرفين، وان دعم الغرب لاسرائيل كان نتيجه سنوات طويله «التخادن غير الاخلاقي» بين الطرفين. فما حدث ويحدث في غزه اليوم ليس استثناء، بل هو تكرار لما سبق ان وقع في عشرات الدول التي تعرضت للغزو والاستعمار من تلك القوي، ودليل افلاس واضح، وحجم الغضب الذي رايناه في بعض العواصم الاوروبيه، علي مذابح غزه، ما هو الا محاوله من بعض اصحاب الضمائر الحيه لاستعاده مجتمعات تلك الدول ومثقفيها لما فقدوه من اخلاق. فابادات غزه ما هي الا تكرار لابادات استعماريه سابقه. وبالتالي فان وجود اسرائيل غير طبيعي، كما كان وجود فرنسا في الجزائر وفي فيتنام، خلال الحقبه الاستعماريه، غير طبيعي، فهي تتواجد في محيط معاد لها، ولا يمكن ان يصبح يوما مسالما ومتعايشا معها، ومن السخف بالتالي الاعتقاد ان يهود اسرائيل سيشعرون يوما بالامان، او ان الظروف ستدفعهم لان يصبحوا القاطره التي ستجر «اعداءهم» نحو التقدم والحضاره، كما يشتهي البعض ويروج، فهي ليست بذلك الغباء، وخير دليل علي ذلك، انها، وبعد اربعين عاما من السلم مع دول عربيه، فشلت في ان تخلق مجتمعات اقل عداء لها، فلا تزال كراهيتها مترسخه، والعداء لها واضحا، وهذا رسخ رغبتها الاصليه والحقيقيه في عدم المساهمه يوما في رفعه وتقدم اعدائها، ولم ولن تتبرع يوما بتقديم شيء من «خبراتها وتقنياتها» لها. احمد الصراف
نقد تاريخي وسياسي لتأسيس إسرائيل