استمرار العقده العربيه الايرانيه

يقول المفكر الايراني الاصلاحي بجامعه طهران صادق زيبا كلام: «يبدو اننا كايرانيين لم ننس بعد هزيمتنا التاريخيه امام العرب ولم ننس القادسيه بعد مرور 1400 عام عليها، فلا نزال نخفي في اعماقنا ضغينه وحقدا دفينين تجاه العرب وكانها نار تحت الرماد قد تتحول الي لهيب كلما سنحت لها الفرص. فالمثقفون يبغضون العرب، وحتي المتدينون ينفرون منهم. كما ان الحقد والضغينه تجاه رموزهم لدي الكثير من الايرانيين هما في واقع الامر الوجه الاخر لكراهيتهم للعرب». بالرغم من الاستخدام الواسع للكلمات العربيه في المكاتبات الرسميه والاحاديث، الا ان هذا الحضور اللغوي لا يعني قبولا ثقافيا او شعورا بالانتماء للعربي، بل العكس ربما يكون اقرب للصحه، حيث تشعر بهم مجبرين علي استخدام الكلمات العربيه، ولم يقوموا يوما بمحاولات الشاه وغيره «تفريسها»، اي استبدالها بكلمات فارسيه، ما امكن. وبالرغم من حقيقه ان الايرانيين قبلوا الاسلام، لكنهم لم يقبلوا، حتي بعد 1400 سنه، وجعلها جزءا من هويه الدوله، حكومات وشعبا، وللتغلب علي هذا الشعور فانهم لا يترددون في تكرار القول ان الايرانيين هم الذين منحوا الاسلام بعده اللغوي والديني والحضاري، ويوردون عشرات الشواهد التي تبين ان من وضع الاحاديث الصحاح، ومن اسس المذاهب الاسلاميه، ومن وضع قواعد اللغه العربيه، كانوا في غالبيتهم، ان لم يكن جميعا من الفرس، هذا بخلاف ان غالبيه «علماء الاسلام»، كانوا ايضا منهم. لكن المشكله ان الفئه الحاكمه في ايران، ربما بخلاف غالبيه الدول الاسلاميه، تستمد قوتها وشرعيتها، الدينيه والمذهبيه، من الدين واللغه العربيه، لكنها بسبب «فخرها القومي» فانها لا تميل للعرب، وتعتقد ان تاريخها وحضارتها يجعلانها اعلي مكانه ممن انتصروا عليهم وحكموا بلادهم طويلا، وهذا يعني بقاء ذلك الصراع بداخلهم، ربما للابد. بعد ان فشلت كل محاولات التوفيق بين النقيضين، وحاولت فوق ذلك، ونجحت لفتره، في حكم عده دوله عربيه، بصوره شبه مباشره. ولتحقيق هذا التوازن، يقول الاستاذ «محمد الرميحي»: سلك النظام مسارين متوازيين؛ الاول تعظيم البعد المذهبي خارج ايران، خصوصا في بعض الدول العربيه، لاظهار ان نفوذ الجمهوريه الاسلاميه يمتد عبر الانتماء المذهبي، وهو ما يخاطب الداخل الايراني بوصفه دليلا علي القوه والتمدد. اما المسار الثاني فكان ابقاء مسافه سياسيه ونفسيه مع العرب، بل استخدام مصطلحات ذات دلاله سلبيه مثل «الاعراب»، وهو تعبير قراني ارتبط في سياقه الاصلي بوصف فئه محدده من المتخلفين عن قيم الاسلام، لكنه استخدم لاحقا بطريقه ملتبسه تخدم الخطاب السياسي اكثر مما تخدم الدقه اللغويه او الدينيه. هذه الازدواجيه تكشف ان الازمه ليست في السياسه الخارجيه وحدها، بل في تعريف هويه الدوله نفسها؛ هل هي دوله قوميه فارسيه، او دوله دينيه عابره للقوميات، او مشروع مذهبي يسعي الي توسيع النفوذ؟ ان الجمع بين هذه المشاريع الثلاثه في وقت واحد جعل الخطاب الرسمي مملوءا بالتناقضات. واللافت ان قطاعات واسعه من الشعب الايراني لا تشارك هذه الرؤيه. فقد ساهمت شرائح متعلمه ومتحضره في اسقاط النظام السابق، وكانت تتطلع الي بناء دوله حديثه تتفاعل مع العالم، وتستفيد من منجزاته. غير ان مسار الثوره اخذ اتجاها اخر، وانتهي الي تهميش تلك القوي لمصلحه المؤسسه الدينيه والاجهزه الامنيه. لكل ذلك لم تنجح الجمهوريه الاسلاميه في حل معضله الهويه؛ فلا هي استطاعت بناء دوله قوميه مستقره، ولا نجحت في تقديم نموذج ديني قادر علي التعايش مع العصر، ولا تمكنت من اقامه علاقات طبيعيه مع محيطها او مع العالم. لذلك تبدو ازماتها الخارجيه امتدادا لازمه داخليه اعمق، هي عجز النخبه عن حسم سؤال: ما هويتنا؟ ان كثيرا من الصراعات التي تشهدها المنطقه لا يمكن فهمها بعيدا عن هذا الالتباس العميق في هويه الدوله الايرانيه، وهو التباس يجعل القرار السياسي اسير التردد بين القوميه والدين والثوره، فلا يستقر علي مشروع قادر علي انتاج دوله متوازنه ومتصالحه مع نفسها، قبل ان تتصالح مع الاخرين. اخر الكلام: حين تعجز الدوله عن تعريف نفسها، يصبح كل مختلف في نظرها خصما، ويتحول الصراع الي وسيله لاثبات ذاتها. والي مقال الغد. احمد الصراف