الحراره القاتله الصامته.. هل مدننا مستعده للتكيف؟

لم تعد الحراره المرتفعه في الكويت خبرا موسميا يتداول في الصيف ثم ينسي، بل تحولت الي متغير بنيوي يمس الصحه العامه وسوق العمل وكلفه الطاقه وشكل المدينه نفسها. ففي الحادي والثلاثين من مايو 2024 سجلت في الكويت 51 درجه مئويه في الظل، وهي قراءه قال عالم الارصاد عادل السعدون انها الاولي من نوعها لشهر مايو منذ خمسه وستين عاما. وفي يوليو 2016 سجلت محطه مطربه 53.9 درجه مئويه، وهي قراءه اعتمدتها المنظمه العالميه للارصاد الجويه بوصفها الاعلي الموثقه في قاره اسيا. وقد وصفت الامينه العامه للمنظمه العالميه للارصاد الجويه، سيليستي ساولو، الحراره الشديده في يونيو 2025 بـ«القاتل الصامت»، لانها من اشد المخاطر المناخيه فتكا، ومع ذلك من اقلها اعترافا واداره؛ فنحن نصدر الانذارات ونحتمي من الاعاصير، اما مع الحراره فكثيرا ما نصمت. الاستجابه التنظيميه الابرز حتي اليوم هي حظر العمل في الاماكن المكشوفه، اذ يمنع تشغيل العمال في الاماكن المكشوفه من الحاديه عشره صباحا حتي الرابعه عصرا، من الاول من يونيو حتي نهايه اغسطس من كل عام. وهي خطوه تستحق التقدير. غير ان المنهج القائم علي التقويم، اي تحديد الاشهر والساعات سلفا، يحمل في تقديري ثغره جوهريه: فالاجهاد الحراري لا يقرا التقويم. وقد نصت منظمه هيومن رايتس ووتش في بيان لها في يونيو 2025 علي ان «الحظر القائم علي التقويم غير كاف، لان الحراره الشديده تقع خارج الساعات او الاشهر التي يسري فيها الحظر». والدليل المحلي يعزز هذا الاستنتاج: فقد وجدت دراسه نشرت عام 2023 في مجله الطب المهني والبيئي، حللت بيانات اصابات العمل المبلغ عنها في القطاع الخاص في الكويت خلال اشهر الحظر بين 2015 و2019، ان خطر الاصابه المهنيه في يوم يبلغ متوسط حرارته اليومي 39.4 درجه كان اعلي بنحو 44 في المئه منه في يوم متوسط حرارته 37 درجه، رغم سريان الحظر، وخلص الباحثون الي ان التنظيمات القائمه علي التقويم قد تكون قاصره. علميا فالجسم لا يستجيب لدرجه حراره الهواء وحدها، بل لتفاعل الحراره والرطوبه وسرعه الرياح والاشعاع الشمسي، وهو ما يعبر عنه مؤشر «درجه الحراره الرطبه والكرويه» (WBGT) المعتمد في المعيار الدولي ISO 7243 لتقييم الاجهاد الحراري، والذي تستخدمه جهات الصحه المهنيه في دول عديده دليلا لتنظيم عبء العمل. ومعني ذلك ان يوما اقل حراره علي المحرار، لكنه اعلي رطوبه او اشد اشعاعا، قد يكون اخطر علي الجسم. كما ان الفئات المعرضه لا تقتصر علي عمال البناء، فكبار السن والرضع والاطفال من الفئات الاعلي عرضه للامراض المرتبطه بالحراره، ويضاف اليهم كل من يعمل في الشارع ساعات طويله. وتضاعف المدينه نفسها المشكله. فالاسطح الداكنه والخرسانه تمتص الحراره نهارا وتطلقها ليلا، فتتشكل «جزيره الحراره الحضريه» التي تشتد بعد الغروب وتضعف التبريد الليلي، بحسب وكاله حمايه البيئه الامريكيه. وحين تصمم الاحياء بلا ظل ولا اشجار ولا ممرات للهواء، يصبح المشي في اشهر الذروه مخاطره صحيه. ثم ياتي الحل التقليدي، اي مزيد من التكييف، فيرفع الاحمال الكهربائيه ويزيد استهلاك الوقود والانبعاثات، فنكون قد عالجنا العرض وغذينا السبب. مواجهه ذلك تتطلب في رايي الانتقال من «حظر موسمي» الي «نظام متكامل لاداره الحراره». اولا، اضافه حدود تشغيليه مبنيه علي مؤشر WBGT تفعل تلقائيا عند تجاوز عتبات محدده بغض النظر عن التاريخ، مع جداول متدرجه للعمل والراحه بحسب شده الجهد البدني، علي ان تبقي ساعات الحظر الحاليه حدا ادني لا يمس. ثانيا، انشاء نظام انذار مبكر للحراره تشترك فيه الارصاد والصحه والقوي العامله والبلديه، يصدر تنبيهات متدرجه تصل الي المدارس ودور الرعايه والشركات. ثالثا، فرض برامج تاقلم حراري للعاملين الجدد، اذ يوصي المعهد الوطني الامريكي للسلامه والصحه المهنيه بزياده مده التعرض تدريجيا علي مدي سبعه الي اربعه عشر يوما، مع تسجيل حالات الامراض الحراريه في نظام وطني للترصد الصحي يقيس الاثر الفعلي بدل الاكتفاء بعدد المخالفات. رابعا، تحديث معايير التصميم الحضري بما يلزم بالتظليل والاسطح العاكسه والاشجار المحليه المقاومه للجفاف وتحسين العزل الحراري، مع اعطاء الاولويه للاحياء الاكثر تعرضا، وهو ما يتصل مباشره بمبدا العداله البيئيه. خامسا، التوسع في التبريد المركزي للمناطق عاليه الكثافه وربطه بالطاقه الشمسيه لتخفيف ذروه الصيف علي الشبكه. ولا تعني المعالجه الفعاله التخلي عن الحظر الموسمي، بل تكميله. فالحظر القائم علي التقويم اداه بسيطه يسهل انفاذها وتفتيشها، وهذه ميزه حقيقيه لا ينبغي التفريط فيها، اما المطلوب فطبقه ثانيه ذكيه تعمل فوقه وتلتقط الايام الخطره خارج النافذه المحدده. وبهذا نجمع بين البساطه الاجرائيه والدقه العلميه. ان التكيف ليس بديلا عن خفض الانبعاثات، لكنه ضروره لا تحتمل الانتظار، لان كلفه التاخر تدفع صحه وانتاجيه وارواحا. والكويت التي تسجل في ايام الذروه من اعلي الدرجات علي سطح الكوكب تملك فرصه لتتحول من مدينه تتاذي بالحراره الي مختبر اقليمي لمدن تتكيف معها. فالسؤال الصحيح لم يعد: كم ستبلغ الحراره هذا الصيف؟ بل: هل نحن جاهزون لها؟ د. محمد الصائغ