ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. سليمان الخضاري

ظل.. لا يحجب الضوء!

ظل.. لا يحجب الضوء!

في كل بيت تقريبا واحد منهم، ذلك الشخص الذي يقف بينك وبين العالم كجدار من لحم ودم، يتلقي الضربات بدلا عنك، ويجيب عن الاسئله قبل ان توجه اليك، ويحل مشاكلك قبل ان تعرف ان لديك مشكله، اب يدفع فاتوره الخطا قبل ان يعرف ابنه انه اخطا، او ام تتصل بالمدرسه لتصلح ما افسده صغيرها، او اخ اكبر يقف في وجه كل من يقترب من اخوته بنظره لا تحتاج الي كلام، او احيانا.. ورغم ندرتهم فلا يزال هنالك مدير يحتفظ بالمشاكل الصعبه لنفسه ويوزع علي فريقه المهام السهله فقط! نحب هؤلاء، ونشعر بالامان في وجودهم، ونتمني لو كان لكل انسان واحد منهم، والصوره الشائعه عنهم انهم اشد الناس تضحيه، يذوبون كالشموع كي ينيروا دروب غيرهم، ويحترقون كخشب مدفاه قديمه كي يشعر الاخرون بالدفء، وهذه الصوره صادقه الي حد بعيد، لكنها تخفي جانبا لا يحب احد النظر اليه طويلا! من يعش في الظل الدائم لا يتعلم ان يمشي تحت الشمس، والطفل الذي لم يترك يوما ليواجه معلما غاضبا يكبر وهو لا يعرف كيف يواجه مديرا، ومن لم يسمح له ان يخسر مبلغا صغيرا في مغامره ساذجه لا يتعلم ابدا كيف يخطط لمخاطره تجاريه كبيره، ومن كانت امه تقف بينه وبين كل الم يصل الي الاربعين وهو ينتظر من زوجته ان تفعل الشيء ذاته، فالحمايه التي لا تعرف حدودها لا تنتج اشخاصا اقوياء، بل تنتج اشخاصا بلا مناعه، تسقطهم اول نزله برد حين يغيب من كان يقيهم شره! السؤال الذي لا نجرؤ كثيرا علي طرحه هو: لماذا نحمي بهذا الافراط؟ الجواب السهل هو الحب، والجواب الاصعب هو ان الحمايه تمنح من يحمي شيئا لا يستطيع الاستغناء عنه، فهو محتاج لان يكون ضروريا، وفي كل مره يحل فيها مشكله لاحدهم يتاكد من ان له مكانا في حياه غيره لا يمكن ان يشغل، وحين يبدا من يحميهم بالنمو والشعور بالنضج والاستقلاليه عنه لا يفرح كما يفترض، بل يشعر بشيء يشبه الطرد من وظيفه كان يظنها دون اجازه او تقاعد، فيعود ليخلق حاجه جديده، ولو بان يضخم خطرا صغيرا كي يبقي لدوره معني! المشكله الكبيره هي في الثمن الذي يدفعه المحمي ولا يعرف كيف يشتكي منه، فهو يعيش في امان لا ينقصه شيء الا الثقه بنفسه، اذ لم يختبر يوما، ولا يعرف ان كان يستطيع ان ينجو من مشكله لانه لم يترك وحده قط، وقد يشعر بالامتنان والاختناق في اللحظه ذاتها، ويحمل ذنبا خفيا لانه يريد ان يبتعد عمن اعطاه كل شيء، فيبقي صامتا، ويكبر عمره.. ولا يكبر هو! ما يجعل الامر اصعب هو ان الحد الفاصل بين الحمايه الواجبه والسيطره الضاره رفيع جدا، فالاب الذي يترك ابنه يخطئ قد يبدو مهملا، والذي يمنعه من الخطا قد يبدو حنونا، وقد لا يظهر الفرق الا بعد سنوات، حين يقف الابن امام حياته وحده، دون ذلك الذي اعتاد ان يتصل نيابه عنه ولا من يدفع عنه ثمن خطئه، فيتضح عندها من كان يعده لهذا اليوم.. ومن كان يؤجله! لسنا هنا ندعو احدا ان يتوقف عن حمايه من يحب، فالعالم قاس، ووجود من يقف بجانبك نعمه لا يعرفها الا من فقدها، لكن الحمايه الحقيقيه لها هدف واحد لا تحيد عنه، وهو ان تصبح يوما غير ضروريه، واصدق ما يفعله من يحمي غيره هو ان يعمل بصمت علي ان يستغني عنه، لا ان يحتاج اليه اكثر، فالنجاح في هذا الدور هو النجاح الوحيد الذي يقاس بمدي اختفائك من المشهد لا بحضورك فيه! فكن يا صديقي كالظل الذي يقي الناس حراره الشمس.. لكنه لا يحرمهم ضوءها! د. سليمان الخضاري

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓