اللباس بين المهنيه والهويه (4)

الثياب بين الشريعه والدستور.. اين يقف التعميم؟ سالنا في ختام الحلقه الثالثه: اي ضوابط للستر والوقار يقررها الاسلام، وما حدود التنظيم الاداري في الكويت؟ هذا السؤال يعود بنا الي مقال الكاتب احمد الصراف وتعميم وزاره الماليه، حيث بدات السلسله. ناقشنا قياس ماو، وصوره المؤسسه، وتحولات ذوق المجتمع؛ والان نفصل بين ثلاثه امور يختلط بعضها ببعض: حكم الشرع، ومبدا الدستور، وتقدير الاداره. فاذا لم يكن الثوب مقياسا للامانه والانتاج، فهل يصبح شانا بلا ضوابط؟ اولا: ماذا يقول القران عن اللباس؟ يقول الله تعالي: «قد انزلنا عليكم لباسا يواري سواتكم وريشا ولباس التقوي ذلك خير» [الاعراف: 26]. في الايه ستر وزينه، ثم تنبيه الي ان تقوي القلب ارفع من جمال الظاهر. ويامر القران باخذ الزينه عند المسجد، وينهي عن الاسراف قال الله تعالي : ﴿يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين﴾ [الاعراف: 31]، كما يرد في سوره النور بيان لضوابط الستر والزينه قال تعالي : ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن عليٰ جيوبهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن ….. ولا يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا الي الله جميعا ايه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: 31]. فاللباس في التصور الاسلامي ليس ماده محايده من كل معني؛ فله صله بالستر والحياء والوقار، مع فسحه مشروعه للجمال واختلاف الاعراف. ولا تستخرج من هذه النصوص دشداشه بعينها، ولا بدله بلون محدد، ولا سلطه مفتوحه لمدير يفحص الاجساد. والثوب الذي جاءنا من خارج بيئتنا لا يصبح محرما لمجرد مصدره؛ فالحكم علي اللباس يتعلق بما يستر وما يكشف، وبما يناسب المقام، لا بجنسيه من صممه. لذلك لا يجوز ان نخلط بين حكم شرعي ثابت، وعرف اجتماعي محترم، وقرار وظيفي قابل للمراجعه. لكل واحد منها مجاله وحجته. ثانيا: وهل حسن المظهر كبر؟ سال رجل النبي ﷺ عن محبته ان يكون ثوبه حسنا ونعله حسنه، فقال ﷺ: «ان الله جميل يحب الجمال»؛ وبين ان الكبر بطر الحق وغمط الناس، كما في صحيح مسلم. هذه اجابه تضبط الجدل كله: التجمل ليس عيبا، والتواضع لا يقتضي اهمال الهيئه، كما ان اناقه الثوب لا تمنح صاحبها شهاده حسن خلق. من يلبس افخر لباس ثم يسيء الي المراجع قد خالف مقصد الوظيفه، ومن يؤدي عمله باتقان لا يعفي من مقتضيات المكان. فالظاهر والباطن يتعاونان حين يوضع كل منهما في موضعه، ويختل الميزان حين يصبح احدهما ذريعه لاهمال الاخر. ثالثا: ماذا يقرر دستور الكويت؟ ينص الدستور في مادته الثانيه علي ان الاسلام دين الدوله، وان الشريعه الاسلاميه مصدر رئيسي للتشريع. ويقرر في الماده السادسه والعشرين ان الوظائف العامه خدمه وطنيه، وفي التاسعه والعشرين مساواه الناس في الكرامه والحقوق والواجبات العامه، وفي التاسعه والاربعين ان مراعاه النظام العام واحترام الاداب العامه واجب علي جميع سكان الكويت. وتذكر مدونه السلوك الوظيفي مراعاه المظهر اللائق ضمن اخلاقيات العمل. تلك نصوص ومبادئ مهمه، لكنها ليست لائحه جاهزه باطوال الملابس والوانها، ولا تبيح تحويل الملاحظه المهنيه الي مساس بالكرامه. فمن يطالب بضابط للمظهر يجد سندا للمبدا، ومن يطالب بالوضوح والمساواه يجد لهما سندا كذلك. ولا يصح القفز من نص دستوري يقرر هويه الدوله او واجب احترام الاداب الي القول ان كل تفصيل في تعميم اداري صار حكما دستوريا. تختبر التفاصيل بصلتها بالوظيفه وبسلامه صياغتها وطريقه انفاذها. بهذا نحفظ للنص الدستوري مكانته، ونبقي القرار الاداري خاضعا للنقد والتصحيح. رابعا: اين تبدا سلطه الاداره واين تنتهي؟ للجهه ان تنظم ما يتصل بالوظيفه وبيئه العمل، وان تبين ما تراه لائقا بالمراجعين وطبيعه المهمه. لكن سلطه التنظيم لا تمارس بالانطباع الشخصي. اذا قيل «لون هادئ» او «زينه معتدله»، وجب توضيح المقصود قبل المحاسبه؛ واذا اختلفت المهن، وجب اختلاف التفاصيل بقدر الحاجه؛ واذا ادعيت مخالفه، وجبت اجراءات تصون الخصوصيه وتتيح الاعتراض وتناسب الجزاء. فالغموض يظلم الموظف ويضعف القرار الذي تريد الاداره الدفاع عنه. كما ان مراعاه الضوابط الشرعيه لا تسوغ تعنيف الناس او اذلالهم، ولا يجعل كل اختلاف في المظهر حكما علي ايمان صاحبه. وللموظفين حق معرفه المطلوب قبل مساءلتهم، وان تطبق القاعده علي الحالات المتماثله بالعدل. اما ضوابط لباس الموظفات فتحتاج عنايه بالخصوصيه ومنع الاحراج. خامسا: اي قرار يستحق ان يعم؟ ليست الدعوه الي استنساخ تعميم «الماليه» في كل مؤسسه، بل الي اطار وطني يحدد الغايات والحدود: ستر ووقار وملاءمه، مع عدل وخصوصيه ووضوح. ثم تترك التفاصيل المعلله لكل جهه بحسب وظيفتها، ويشارك العاملون في صياغتها، وتراجع عند ظهور خلل في التطبيق. والاهم ان تكون كفاءه الاداء وحسن معامله المراجعين في صداره المحاسبه؛ فمن العبث ان تدقق الاداره في كم الموظف وتتساهل في تعطيل مصالح الناس. واذا كان القرار يطلب احترام المؤسسه، فعليه اولا ان يحترم من يعملون فيها ومن يقصدونها. اثارت سخريه البعض سؤالا يستحق الاجابه، ورجعنا اليه من اوجه اربعه: المهنه والهويه والتغير الثقافي والضابط الشرعي والدستوري. لا ماو يصلح ميزانا لتعميم «الماليه»، ولا شريط القياس يحفظ هيبه الدوله. الميزان قرار واضح يستند الي غرض مشروع، يطبق بعدل، ويقاس باثره في الخدمه والكرامه. عندها يكون اللباس رساله من رسائل الهويه، والعمل برهانها، والانسان اكرم من ان يختزل في ثوبه. الزبده 1. قرر القران الستر والزينه والتقوي، ولم يفرض نموذجا وظيفيا واحدا للثياب. 2. الجمال مشروع، والاناقه لا تغني عن الامانه والاتقان. 3. الدستور يقر الخدمه الوطنيه والمساواه واحترام الاداب العامه؛ وتذكر المدونه المظهر اللائق. 4. النصوص العامه لا تمنح الاداره حق التفتيش او العقوبه بمعايير غامضه. 5. المطلوب اطار مهني عادل يراعي طبيعه الوظائف وحق الاعتراض وتناسب الجزاء. 6. هيبه الدوله يصنعها الانجاز والعدل، ويترجمها مظهر محترم يصون الكرامه. د. عبدالحميد خليفه الشايجي