رثاء بقلم د. محمد العبدالجادر.. الطرشه الاخيره

«كل نفس ذائقه الموت».. برحيل الوالد انتهي اخر خيط ربطنا باهل البحر.. حدثني عن الهند، حدثني عن كليكوت وكراتشي وعدن والسواحل وممباسا، حدثني عن ادوار تجار الكويت ونواخذتها والبحاره، وعن شرف الكلمه وشظف العيش وكساد ما بين الحربين العالميتين الاولي والثانيه. رحل النوخذه، الذي عبرت معه سنوات العمر حتي بلغت الستين من العمر، مرت مرور الغمام، كان هو بوصلتي والديره وشراعي، التي يحلو ان يحدثنا عنها، رحل نوخذه حقيقي واجه الحياه بكل تصاريفها، وعبر زمن تغير فيه العالم، حدثنا عن قصص من اساطير الاولين، عاش زمن البحر واهواله، وزمن التحول للنفط والرواتب واحوالها، تنقل في العمران من الكويت القديمه بمعالمها واسواقها، والبيت العود الذي ولد فيه في حي الوسط، تحديدا فريج الخوص، مطلع فريج غنيم، في موقع البنك المركزي القديم في بهيته، بالقرب من بركه الماء، التي شاهد فيها اباه واجداده ورجال الكويت ينقذون الكويت من العطش عبر قياده سفن خشب الماء، وجلبها الي ارض غير ذي زرع، ومع تحول الحياه ونهضه البلاد، ترك البيت العود في نهايه الاربعينيات، ليستقر مع الاهل قليلا في المرقاب، جانب موقع مسجد الوزان، الذي ظل يصلي فيه الجمعه حتي اقعده المرض. شهد هو ـ مع اهل الكويت ـ التحول من حياه البحر الي ريع النفط بالخمسينات، ليعمل في دائره الكهرباء، وفي ماليتها تحديدا، حتي تحولت الي وزاره الكهرباء والماء، ليعمل محاسبا بكل امانه وشرف كويتيا بسيطا، ليظل بها حتي تقاعده في الثمانينيات، وخلال تلك الفتره انتقلنا من بيت الجد في الفيحاء، التي ولدت فيها مع اخوتي، ثم سكنا منطقه النزهه. مع حرب 1973 كنت استمع الي المذياع معه عن انتصارات اكتوبر المجيديه، التي تصادف مرور ذكراها هذه الايام مع رحيله. اخذني الي مقرات نواب الشعب احمد الخطيب وجاسم القطامي وسامي المنيس وعبدالله النيباري واحمد النفيسي، وبعدها عملت معهم جميعا، وشاركت بعد ذلك في الخدمه العامه، حتي شهد دخولي مجلس الامه في 2008 نائبا عن الدائره الثانيه. زرع في بيته حب الكويت وحكامها واهلها، رايته شامخا صامدا في مواجهه الزلزال، الذي اصابنا ابان الغزو العراقي للكويت، الذي توقع حدوثه بعد خطاب تهديد صدام حسين بحدسه البسيط. وقف معي في كل المحطات، بعثراتي ونجاحي، وساندني في كل خطاي كاب ومعلم، ظل يوصيني خيرا بالعباد طيله عملي العام، وكانت وصيته: «اذا لم تجد نفعا للناس يا وليدي فلا تسع في ضررهم»، وهي وصيه سمعتها منه، وترددت علي السنه كبار السن من اهل الكويت، رايته صابرا محتسبا يفقد اهله واحبابه واحدا تلو الاخر. فقد بصره وقدرته علي المشي، ثم فقدنا والدتي، ثم اخي الاكبر، رحمهما الله، وتعثر في محطات المرض، وبدا يفقد صحته شيئا فشيئا، وظل يقاوم كحال الصابر المحتسب.. ربان سفينه قوامها اهل واحباب، يوجه ويسال عن الكل، ترفع عن الصغائر فكان كبيرا، زهد في القليل فجاءه الكثير، عشت مع مرضه حتي وعكته الاخيره في طرشات عده، ولكنها هي «الطرشه الاخيره» كما يسميها اهل البحر، التي عشتها منذ رمضان الماضي ومع دوي اصوات الحرب في منطقتنا، واحيانا مع صافرات الانذار والالم يكافح الوهن بصمت بصمت، وبصوت عال احيانا اعطي المقدمات لنهايه الرحله، عندما فقد السيطره والوعي. انها دوره الحياه وسنه الله علي الارض، فلكل اجل كتاب، ولكل «طرشه» ميناء. وفي الختام، فانه ان كان من كلمه، فهي شكر وعرفان لكل الفريق الطبي في مستشفي الاميري، وخاصه فريق الدور التاسع فريق الباطنيه برئاسه د. مريم الراجحي، وفريق الكلي برئاسه د. انس اليوسف، والساده في الاداره العليا من المدير الي اخي د. اوسان المهيني، وطاقم التمريض الرائع، الذين قاموا بمجهود طيب في رعايته. رحيلك يعز علي يا اغلي من فقدت، وفراقك ايها الطود الشامخ، ولكنها اراده الله التي لا مناص منها، يرحل النوخذه تاركا حمولته الثقيله واشرعه لن تطوي، رحمك الله يا والدي، والحقك مع ابائك واجدادك في ركب الصالحين والصديقين، فانتم السابقون ونحن اللاحقون. * الطرشه الاخيره (الرحله الاخيره) د. محمد العبدالجادر