اشغلني كثيرا.. صداع الثقافات

مثل الاخرين من البشر الذين تشغلهم قضايا وملفات لا تاتي علي البال ولا تقترب من التوقعات، فمن العبر التي تعلمناها من هذه الدنيا، لا توجد ممنوعات، والحياه مصنع لما يبهج ولما يلدغ، وكل منا عاش في تجربه حملته الي مواقف ومواقع بعيده جدا عن تصوراته، ويشتد حجم المفاجات مع تعاظم المسؤوليه التي يحملها ومع طبيعه الموقع الذي يشغله، ولانني عشت خارج الكويت كسفير في نيويورك مع اطفال صغار عاشوا معي في هذه المدينه التي تبهج وفي نفس الوقت تربك من سكنها من مواطنين او من غيرهم من الذين حملتهم المسؤوليه الي تراب نيويورك وهم كثيرون، من تجار ومن سفراء ومن بشر وفنانين اتوا للانضمام الي المستجدات الفنيه التي تبدع في هذه المدينه المثيره والمربكه. والحقيقه ان مدينه نيويورك توفر حياه سخيه في فنون الحياه، علما وفنا وثقافه لكنها ايضا فقيره في طمانينه الامن وغياب النعومه في الحياه، وصاخبه في نغمات الاثاره والانفتاح وغريبه في تنوعات الحياه فيها، فاصحاب المال في نغمه الانشراح وهناك من يكافح واخرون ينامون في شوارعها، والكل مسخر جهده لحياته ولعائلته. نيويورك مدينه لا مكان فيها للعواطف ولا وقت للاسترخاء، وطاقتها منفتحه فلا تنام ودائما واعيه لما يحتاجه الانسان، فلا شبيه لها. كنت سفيرا في الارجنتين، وفي البرازيل، ياتي المرح وتكثر فيها ممرات المتعه في عاصمه الارجنتين ويطغي فيها الانضباط والهدوء، بينما ترحب مدينه ريو بعشاق الليل والسهر. كانت السياسه ومشاكلها وقياده البلد ورؤساؤها موضوعا يشغل الارجنتين، بينما كانت البرازيل تخضع لحكم عسكري، فقد سالني رئيس البرازيل عن معرفتي بالعاصمه ريو دي جانيرو، وكان ردي باني لم اتعرف عليها، فامر رجل المراسم بان ياخذني الي العاصمه للتجول فيها، كانت كلماته تحمل نغمه الاعتزاز. كانت الجاليه العربيه ومعظمها من اصول سوريه تتواجد بحيويه سياسه لها دور بارز في النشاط الحزبي لاسيما في الارجنتين، حيث كان الرئيس من اصول سوريه، بينما في البرازيل كان من اصول اسكتلنديه، كما شعرت بان العلاقات بينهما بارده، قدمت اوراق الاعتماد الي رئيس الارجنتين الرئيس بيرون الذي عاد من المنفي في اسبانيا بعد فوز حزبه في الانتخابات التي تمت بعد سقوط الحكم العسكري وعوده الاحزاب، بينما امتد تواجد الحكم العسكري في البرازيل حتي نهايه السبعينيات. كان تواجدي سفيرا في البرازيل مناسبا لتواجدي فيها بعد انتهاء دوره الامم المتحده التي تبدا في سبتمبر من كل عام وتنتهي في نهايه ديسمبر، وبعدها يتحول العمل في الامم المتحده الي استمرار اللجان التي تعمل حتي بدايه موسم الصيف. كنت ادفع الخارجيه لتعيين سفير مقيم في البرازيل واخر في الارجنتين تقديرا لما لها من اهميه في حياه القاره الجنوبيه، والعالم. ولم تتاخر الكويت حيث اختارت سفيرين، واحدا يبقي في البرازيل والاخر في عاصمه الارجنتين، لانهما اهم موقع في الجنوب ولهما مكانه مؤثره في شؤون امريكا الجنوبيه، لا سيما مع طغيان النفوذ السوفيتي في كوبا وانتشار مكانه الرئيس الكوبي كاسترو، حيث مارست كل من البرازيل والارجنتين سياسه الحذر والابتعاد عن مساعي كوبا في تحدي النفوذ الامريكي. نحن الان في واقع مختلف عن واقع السبعينيات فقد تطور مفهوم الدبلوماسيه الرادعه التي تولدت من الشراكه الاستراتيجيه مع حلفاء ترتبط الكويت معهم في وحده وتنوع المصالح وانسجام المواقف وقد وفرت للكويت اضافات امنيه فاعله، ويسعدني كثيرا تواجد سفاره لجمهوريه الارجنتين، واخري لجمهوريه البرازيل تعملان في الكويت لتعظيم شبكه العلاقات بينهما وبين الكويت. تعرفت علي البرازيل وهي قاره بتنوع سكانها وبصخب اناشيدها وحيويه شبابها. عشقت «عاصمه الارجنتين» وفيها الكثير من مواصفات عواصم اوروبا. جاء هذا التطور في الاتساع الدبلوماسي الكويتي لمسببات تحملها الدبلوماسيه الكويتيه في نزاهتها وحيويه تحركاتها، وعفه سلوكها وطيب نواياها. سعدت بتواجد عدد مهم من سفراء دول امريكا الجنوبيه يمثلون بلدانهم في الكويت تعبيرا عن الاهتمام المشترك لتعميق العلاقات بين البلدين واتساع قاعده المشاركه في تنوع المصالح، كما اسعدني تصاعد اهتمام دول امريكا الجنوبيه في متابعه قضايا الخليج وحرصهم علي تطوير المصالح وتنوعها بما يزيد من شبكه الترابط وتنوع المصالح بين الاقليمين. كما تواصل دوله الكويت البحث في اتساع مصالحها في جنوب القاره لاسيما في مسار الاستثمار وعلي الاخص في حقول الطاقه. في عام في سبتمبر من عام 1974 عقدت الجمعيه العامه للامم المتحده دوره خاصه لبحث الطاقه واهميتها في العلاقات بين الدول ولعبت دول امريكا الجنوبيه دورا مهما في التوصل الي توافق حول الطاقه واهميتها للتطور العالمي وادي التجمع اللاتيني الجنوبي دورا حساسا في التوصل الي التوافق الجماعي حول مستقبل الطاقه ودورها في التنميه الجماعيه. كان ذلك في مارس 1974. كما اتسع حضور الكويت في القاره البعيده وبما يمثل الاتساع في المصالح بين الكويت ودول امريكا الجنوبيه. كنت اشعر برغبه البرازيل والارجنتين التقرب من الخليج وخصوصياته لا سيما في مسار الطاقه، كما ادي وفد فنزويلا دورا مهما في التوصل الي تفاهم خلال الدوره الخاصه التي عقدتها الامم المتحده عام 1974 حول الطاقه. كما ساهمت كل من البرازيل والارجنتين في تحقيق تفاهم حول نزع السلاح ادي الي ازاله التوتر داخل اجتماعات الجمعيه العامه للامم المتحده وكان صوت الجنوب الامريكي مهما في تحقيق التفاهم وازاله التوتر. عبدالله بشاره