ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم سعاد فهد المعجل

الذكاء الاصطناعي والغباء البشري

الذكاء الاصطناعي والغباء البشري

يعتبر الانسان اضعف المخلوقات بيولوجيا، والضعف البيولوجي هنا يقصد به القدره علي التكيف مع البيئه المحيطه به، فبحسب علماء الاحياء ياتي النبات في المرتبه الاولي من حيث القدره علي التكيف والتاقلم مع محيطه، يليه الحيوان، ولياتي البشر في اخر القائمه. لكن البشر هم من سيطر علي الارض وتحكم فيها وفي مصير النبات كما الحيوان، ليس بحكم تفوقه البيولوجي، وانما لقدره الدماغ علي تخزين المعلومه، ومن ثم استدعائها عند الحاجه، ومعالجتها وفقا للضروره؛ لذلك، وبفضل هذه الخاصيه، اصبح للبشر تاريخ واستطاعوا ان يستثمروا ذلك التاريخ ويعالجوه في سبيل دعم مستقبلهم واثراء حاضرهم. اذا الذاكره والقدره علي استرجاعها ومعالجتها وتطويرها هي ما جعلت البشر اسياد الارض، وليس القوه او التفوق الجسماني. مثل هذه الذاكره اصبحت اليوم مهدده من قبل ذاكره جديده من صنع البشر، فالذكاء الاصطناعي اليوم اصبح يهدد نفوذ وسلطه الذاكره البشريه التقليديه، وبشكل اشبه باسطوره فرانكنشتاين، التي لا تتحدث فقط عن صناعه وحش من اجزاء بشريه ميته، وانما تتناول في جوهرها كيف ان الانسان صنع قوه وجد نفسه عاجزا عن مواجهتها او تحمل مسؤوليه صنعها، اي انه صنع عدوا له، ثم رفض تحمل مسؤوليه ما صنعه. اليوم، يواجه البشر معضله مشابهه لاسطوره فرانكنشتاين، فالذكاء الاصطناعي الذي طوره العقل البشري قد ينقلب عليه في المستقبل القريب، خاصه انه –الذكاء الاصطناعي– اصبح قادرا علي تحليل كميات هائله من المعلومات وبشكل يفوق قدره البشر علي ذلك، لكنه في المقابل لم يستطع ان يلغي صفات بشريه، مثل التطرف والتعصب وحب السلطه والجشع وغيرها، ما يجعلنا اليوم امام معادله معقده هنا، بين ذكاء اصطناعي حاد ومتطور وسريع وخارق ودقيق، وبين غباء بشري محدود ومحاصر بانتماءات وغرائز بشريه، ما يجعل البشر، اليوم، في مواجهه مفارقه عجيبه بين ادوات صنعها، تزداد قوتها وحده ذكائها وتفوقها يوما بعد يوم، وبين تراجع مخيف للحكمه البشريه التي صنعت تاريخ البشر وامنت وصولهم الي ما حققوه حتي اليوم. لا يستطيع احد، وبمن فيهم اولئك الذين صنعوا وطوروا الذكاء الاصطناعي، ان يتنبا بما قد يجلبه مثل هذا التحول في الادوار علي البشريه ومستقبلها، ولا ان ياتي برؤيه واضحه تضمن خروجا سالما من مازق مثل هذا التحول الذي يصبح بعيدا كل يوم عن قدره البشر علي التحكم به، ولا ان يضمن استخداما سليما وامنا لكل ما يطرحه الذكاء الاصطناعي، اليوم، من تحديات للذكاء والعقل البشري التقليدي. لا ينكر احد قيمه التطور التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، في مجالات خدمت البشر كالطب والدواء والمواصلات والاتصالات وغيرها، فالمشكله هنا ليست في تطور الذكاء الاصطناعي، بل بما اصبح يشكله من تحد ومواجهه مباشره مع الذكاء البشري التقليدي، والذي اصبح يصنف بكونه غباء امام ذكاء خارق بلا حدود ولا قيود. والسؤال الاهم هنا هو عما اذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا علي صنع واقامه حضاره ذات قيمه، مثل كل الحضارات التي عبرت بها البشريه، فالحضاره تعني تغليبا للحكمه البشريه، والذكاء الفطري، والتحول في نمط التفكير، والحريه، والقدره علي التمييز بين الخير والشر، وبين القوه والعداله، وبين المسؤوليه والتهرب، وغيرها من صفات لا يمكن اختزالها في اله، مهما بلغت دقتها وتقنيتها. التحدي القادم اذا هو عما اذا كان الذكاء الاصطناعي سينافس او يلغي الحكمه الفطريه عند البشر او ان يحاكيها، عندها سيفقد البشر عنصرا طالما ميزهم عن غيرهم من الكائنات و جعلهم اسياد الارض. فهل سيعزز الذكاء الاصطناعي تلك الميزه البشريه، ام انه يكرس ظاهره الغباء البشري. سعاد فهد المعجل

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓