ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. ضاري عادل الحويل

الحاجه الضاله

الحاجه الضاله

كثيرا ما تتردد علي مسامعنا عباره «الحاجه ام الاختراع»، وقد تبدو للوهله الاولي بديهيه، لكنها تختزل جانبا مهما من مسيره التقدم البشري. فالانسان كثيرا ما لا يبدا البحث عن الحلول الا حين يصبح الواقع غير مقبول، او تكبر المشكله حتي يتعذر تجاهلها. ذلك ان المشكله حين تكون صغيره يسهل الالتفاف حولها، فنضيف اجراء هنا، ونستحدث لجنه هناك، ونلجا الي حل مؤقت يسمح باستمرار العمل، حتي نقتنع بان المنظومه بخير، الي ان ياتي ضغط استثنائي فتتكشف نقاط الضعف. وهذا ما رايناه في جائحه كورونا، فلم يكن العمل عن بعد ولا الخدمات الرقميه ولا التعليم الالكتروني جديدا، بل كانت جميعها موجوده، غير ان الحاجه الملحه عجلت بتبنيها، فانجز في اسابيع ما كان يستغرق سنوات. واليوم، نعيش مثالا حيا، اذ تصاعدت التحذيرات من ظاهره الكلاب الضاله بعد حوادث متتاليه بلغت حد فقدان روح بريئه واصابه اخرين بجروح بالغه. وظاهره بهذا الحجم نادرا ما تولد فجاه، فربما اسهم فيها تخلي بعض المربين عن حيواناتهم، وربما وجدت الكلاب في النفايات والمهملات ما يعينها علي البقاء والتكاثر، وقد تكون هناك اسباب اخري لا تتضح الا بالرصد والدراسه. والارجح انها كانت تتشكل بصمت ونحن نلتف حولها بمعالجات متفرقه، حتي كشفت الحوادث الاخيره حجمها الحقيقي. والمفارقه ان الحل لم يكن غائبا، بل كان ينقصه الدافع لتبنيه. لنتخيل منظومه وطنيه رقميه تسجل كل حيوان يجري التعامل معه وتربطه بمعرف الكتروني عبر شريحه تعريف لاسلكيه تزرع تحت الجلد، فيعرف الفريق الميداني بقراءه واحده ان كان الحيوان مملوكا او سبق تطعيمه او تعقيمه، ويصبح التخلي عنه مخالفه لها صاحب معروف. وتصب هذه البيانات في منصه سحابيه مشتركه تعمل عليها الجهات المعنيه جميعا، بدل ان تبقي مبعثره بين سجلات منفصله. ثم تاتي نظم المعلومات الجغرافيه لتضيف بعدا اخر، فيتحول بلاغ المواطن من مكالمه تغلق بعد التعامل معها الي نقطه بيانات باحداثيات دقيقه ووقت محدد. ومع تراكم الاف النقاط تتضح الصوره، فنعرف اين تتركز الحالات وتتكرر، ومدي ارتباطها بالمسببات المحتمله، فتتحول الخريطه من اداه لعرض المشكله الي اداه لاتخاذ القرار ومعالجه الاسباب من جذورها. وبمرور الوقت، يمكن للتحليلات المتقدمه والذكاء الاصطناعي ان تساعد في توقع المناطق الاكثر عرضه لزياده الاعداد، فتوجه حملات التعقيم والتطعيم والايواء استباقيا، ويقاس اثرها بالارقام. والاهم ان هذه التقنيات ليست مستقبليه ولا تجريبيه، بل ادوات ناضجه تستخدم يوميا في قطاعات شتي. والتحدي الحقيقي هو جمعها في منظومه واحده تبدا بمشكله واضحه وتنتهي بقرار افضل. ولعل ما يصلح للكلاب الضاله يصلح ايضا لقضايا اخري تتطلب الرصد المكاني والتنسيق بين جهات متعدده. فالمشكلات الكبيره، علي قسوتها، تمنحنا فرصه لرؤيه ما كان غائبا عن انظارنا، وان نحول الحلول المؤقته الي معالجات مستدامه. التغيير الحقيقي لا يبدا دائما بمشروع ضخم او بتقنيه تبحث عن مشكله، بل بمشكله حقيقيه نضعها امامنا، ثم نوظف ما نملكه من بيانات وتقنيات لفهمها وادارتها علي نحو افضل. فالحاجه لا تصنع الاختراعات وحدها، بل تدلنا ايضا علي ما يحتاج الي اصلاح، فالحلول كانت بين ايدينا، وما كان ينقصنا احيانا هو ان نري الحاجه بوضوح... وان كانت ضاله! د. ضاري عادل الحويل

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓