ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. سليمان الخضاري

ان تكون.. تحت الشمس!

ان تكون.. تحت الشمس!

من منا لم يتمن في لحظه ما ان يعرف؟ ان يدخل مكانا فيلتفت اليه الناس، وان يذكر اسمه في مجلس لم يحضره، وان يجد رايه مطلوبا حتي في امور لا علاقه له بها؟ لا اظننا نحتاج اكثر لشيء من الصدق مع النفس، لنعترف ان هنالك في اعماق كل انسان طفل صغير يريد ان يري، قد يحاول مكابره ان يخفي هذه الرغبه بادعاء انه لا يهمه راي احد، لكنها تبقي هنالك، في مكان ما، تنتظر لحظتها المناسبه كاي رغبه مؤجله لتكشف عن نفسها! الصوره الشائعه عن الشهره تشبه اعلانا سياحيا، وجوه مبتسمه، ابواب تفتح قبل ان تطرقها، وحفاوه لا تحتاج ان تبذل شيئا لتستحقها، وسجاد احمر يحول بين حذائك الفاخر وتلك الارض العاديه المتسخه، التي يمشي عليها الناس العاديون، صوره تشبه صوره الاعلانات السياحيه عن الشاطئ الذهبي ومياه الكاريبي ذات اللون التريكواز، تظهر لك انعكاس الشمس بضوئها البراق، لكنها لا تخبرك عن حرارتها الحارقه وقت الظهيره! قد يقول احدهم ان حراره الشمس هي مصدر للدفء الذي نحتاجه جميعا بعض الاوقات، وهذا صحيح بالطبع، لكن المشكله هي ان الشمس يا اصدقائي لا تدفئ فقط، بل تكشف ايضا، واول ما يفقده من يصبح معروفا هو حقه في ان يكون عاديا، فالانسان العادي يحق له ان يكون متعبا في يوم ما، او حاد الطبع في موقف ما، او مخطئا في راي قاله علي عجل، بل وحتي احمق في بعض تصرفاته، ثم ينام ويصحو وقد نسي الجميع ما قاله او فعله، اما من يعيش تحت الشمس فكل زله صغيره تضاء وتكبر وتحفظ، حتي ليبدو ان لحظه ضعف واحده تكفي لتلغي سنوات من الاتزان، فيكتشف انه لم يعد يقاس بمجمل ما هو عليه، بل باسوا لقطه التقطت له! ثم تاتي مشكله الشهره الاصعب، وهي ان الناس لا يتعاملون معك انت، بل مع النسخه التي صنعوها عنك، فيقتربون من الصوره ويبتعدون عن الشخص الحقيقي، فيحبك من لم يجلس معك ساعه واحده، ويكرهك من لم يسمع صوتك الا عبر شاشه، وفي الحالتين لا تعرف ان كان ما يقال يخصك فعلا، فالمديح هو لشخص لا تعرفه، والنقد يوجه لشخص لست هو، بينما تقف انت في المنتصف تتساءل ايهما اقرب اليك؟! الاخطر من ذلك كله ان الصوره، التي فرضها الاخرون لك قد تبدا بتقييدك لتكون اسيرا دائما لها، فتجد نفسك تراجع كلامك قبل ان تقوله، لا لانه خاطئ، بل لانه قد «لا يليق بك»، وتؤجل الاعلان عن رايك الجديد، لان الناس قد حفظوا رايك القديم، وتضحك في حوار مصطنع مع احدهم في يوم لا تحتمل فيه حتي الابتسام، وشيئا فشيئا تصبح موظفا ولدي صورتك، تعمل بدوام كامل علي حراستها، فيما الشخص الذي كنته قبل الشهره يجلس في زاويه بعيده ينتظر ان يعود اليه احد! ثمه ايضا ثمن لا يذكر كثيرا، وهو الضوء نفسه، فالتصفيق يشبه اي شيء لذيذ نتناوله بكثره، فيصبح الجسم بحاجه لجرعه اكبر ليشعر بالاثر ذاته، وحين يخفت الاهتمام لاسبوع او شهر تبدا معاناه البعض مع قلق غريب، لا يشبه القلق علي الرزق، ولا علي الصحه، قلق من ان ينسي، فيكتب المرء ما لا يؤمن به ليبقي في الذاكره، ويظهر حيث يجب الا يظهر كي لا يقال انه اختفي! الحديث هنا لا يخص المشاهير وحدهم، فقد اصبحنا جميعا في زمن الشاشات نعيش تحت شمس صغيره، كل بحسب عدد متابعيه، نحسب الكلمه قبل نشرها، وننتظر التفاعل بعد نشرها، ونتالم من تعليق كتبه مجهول لا يعرفنا ولا نعرفه، فما كان يوما ثمنا تدفعه القله صار ضريبه يدفعها الجميع بدرجات متفاوته، والفرق بيننا وبين المشهور هو حجم الشمس لا طبيعتها! الظل يا صديقي ليس عقابا كما نتصوره ونحن نتطلع الي الضوء، بل قد يكون المكان الوحيد، الذي يمكنك فيه ان تكون نفسك دون ان يصفق لك احد او يحاكمك احد، ومن وجد نفسه تحت الشمس قد يحتاج احيانا الي مظله صغيره يحفظ تحتها ما تبقي منه، اما من لا يزال في الظل، ويحلم بالخروج منه، فربما عليه ان يسال نفسه سؤالا واحدا قبل ان يخطو: هل اريد ان يعرفني الجميع.. ام ان كل ما احتاجه هو شخص واحد فقط.. يفهمني فعلا؟! د. سليمان الخضاري

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓