ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالحميد الشايجي

اللباس بين المهنيه والهويه (3)

اللباس بين المهنيه والهويه (3)

حين يلبس المجتمع تحوله بدات السلسله من سؤال اثاره الكاتب احمد الصراف، حول تعميم وزاره الماليه؛ فناقشنا في الاولي ضوابط اللباس المهني، وفي الثانيه صوره المؤسسه وهويتها. لكن التعميم يقف عند باب الوزاره، بينما يتكون الذوق في البيت والمدرسه والاعلام والسوق. فما الذي تقوله ملابس الاجيال وموائدها عن الثقافات التي تجذبها؟ وكيف تتحول الجاذبيه الي عاده، ثم تصبح العاده جزءا من الحياه؟ اللباس والطعام لا يرويان القصه كامله، لكنهما يكشفان بعض ملامحها؛ ولذلك يستحق تغيرهما فهما يتجاوز الاعجاب والاتهام المتعجل. اولا: من الشاشه الي العاده قد يعجب الانسان بفيلم اجنبي، او يقرا كتابا عن مجتمع اخر، ويبقي التاثر في حدود المشاهده. اما حين يتغير ما يلبسه، وما تاكله اسرته، والمفردات التي يتداولها ابناؤه، فقد دخل التاثير تفاصيل الحياه. ولا يحمل كل اختيار دلاله حضاريه كبري؛ فقد ينتشر لباس لانه عملي، وتطلب وجبه لانها سريعه، ويفضل منتج لانه اقل كلفه. لكن اجتماع تغيرات واسعه في اللباس والطعام واللغه عبر سنوات يطرح سؤالا اعمق: اي صوره للحياه اصبحت مرغوبه، واي صور محليه تراجع حضورها؟ فمطاعم الوجبات السريعه تقدم، مع الطعام، نمطا للخدمه والاجتماع والاستهلاك، وقد يرتبط انتشارها بضيق الوقت، او تغير ظروف العمل، او قوه التسويق. لذلك ينبغي قراءه التحول في سياقه الاقتصادي والاجتماعي؛ اذ لا تفسره الجاذبيه الثقافيه وحدها، ولا يجوز اختزاله في حكم علي نيات الناس. ثانيا: حين صار الجينز رمزا في الاتحاد السوفيتي اكتسب الجينز لدي قطاعات من الشباب معني تجاوز فائدته العمليه؛ اذ ارتبط بصوره الحياه الغربيه وما تحمله في مخيلتهم من حريه وتجدد. وكان مهرجان الشباب العالمي في موسكو سنه 1957 من مناسبات الاحتكاك، التي عززت حضور الازياء والموسيقي الغربيه. واجه هذا التاثر انتقادات وضغوطا في بعض البيئات، ونشات اسواق غير رسميه لتلبيه الطلب علي السلع الغربيه. وينبغي هنا التمييز بين التضييق علي لباس، وملاحقه الاتجار غير المشروع، ووجود حظر قانوني عام علي ارتدائه؛ فهذه امور مختلفه لا يصح جمعها في روايه واحده. وتكمن دلاله المثال في ان قطعه لباس قد تتحول الي رمز ثقافي، وان الاعتراض عليها قد يزيد حضورها في الوعي. ومع ذلك، لا يصبح كل من يرتديها متبنيا لافكار بلد منشئها وسياساته، وهذا هو موضع الخلل في قياس تعميم وظيفي علي زي عهد ماو: تشابه الثياب في الخطاب لا يلغي اختلاف السياق والغرض. ثالثا: حين كانت العربيه موضع الجاذبيه ويقدم تاريخ الاندلس صوره اخري للتاثير الثقافي. ففي قرطبه، بالقرن التاسع الميلادي، اشتكي الفارو القرطبي من اقبال شباب مسيحيين علي العربيه وشعرها وادبها، مقابل ضعف اهتمامهم باللاتينيه. وتذكر شكاوي بعض رجال الدين ايضا التاثر بالزي العربي وعادات المحيط؛ وهي نصوص جدليه نقراها دون تعميمها علي الجميع. ولا يلزم من ذلك مساواه تعلم العربيه بتغيير الاعتقاد؛ فاللغه قد تصبح اداه للمعرفه والعمل والمشاركه في حياه المجتمع، مع بقاء الانتماء الديني. وهنا يختلف المثال الاندلسي عن السوفيتي: انجذب شباب سوفيت الي صوره ثقافه خارجيه، بينما تفاعل مسيحيو قرطبه مع ثقافه المجتمع، الذي عاشوا فيه. وما يجمع المثالين ان الثقافه المؤثره تجد طريقها الي اللسان والذوق والهيئه حين تتوافر اسباب جاذبيتها وحضورها. رابعا: متي يصبح تغير الذوق قضيه هويه؟ ليس تشابه الثياب وحده مقياسا للتبعيه؛ فقد تتشابه الازياء وتختلف القيم، وقد يبقي اللباس المحلي حاضرا بينما تتراجع اللغه والمعرفه بالتاريخ. السؤال الاجدي هو: هل ظل الموروث خيارا حيا يعتز به الناس؟ وهل يستطيع ان يتجدد ويلائم حاجاتهم؟ ام صار بعضهم يستحي من لغته ولباسه وطعامه، ويمنح كل وافد منزله اعلي لمجرد انه وافد؟ عندئذ تتجاوز القضيه تغير الاذواق الي تغير معيار التقدير. فالمشكله ليست في الاستفاده من الاخرين، وانما في ان نفقد الثقه بما عندنا، او نعجز عن تطويره، ثم نطالب الاجيال بالتمسك به دون ان نجعله قريبا من حياتها. خامسا: كيف نجعل الهويه جديره بالاختيار؟ حمايه الهويه مسؤوليه ايجابيه: تصميم جيد للزي المحلي، وجوده في الانتاج، وتقديم معاصر للماكولات الوطنيه، وتعليم يجعل العربيه لغه تعبير ومعرفه، ويصل تاريخ الكويت بحياه ابنائها وطموحاتهم. وللمؤسسات العامه دور في اظهار الهويه بقواعد واضحه وعادله، كما للبيت والمدرسه والاعلام والسوق دور في ترسيخ محبتها. فالتنظيم يحدد مظهر المؤسسه، والجاذبيه تمنح الثقافه امتدادها في المجتمع؛ ولكل منهما مجاله ووظيفته. ونجاح المبادرات يعرف من اثرها: اقبال الناس، وجوده التجربه، واستمرار المشاركه. فالمعرض التراثي الذي يزوره الاطفال مفيد، لكن تحويل التراث الي معرفه ومهاره ومنتج يستخدمونه يمنحه حياه اوسع. من سخريه شريط القياس الي سؤال الجينز والعربيه، بقيت قاعده واحده: للثوب معني، لكنه لا يقرا الضمائر، ولا يحكم وحده علي الامم. ويبقي بعد فهم تحولات الذوق سؤال اخير بدا مع تعميم «الماليه»: اي ضوابط للستر والوقار يقررها الاسلام؟ وما حدود التنظيم الاداري في ضوء الدستور وقواعد الوظيفه؟ الزبده 1 ــ بدا نقاشنا بتعميم الماليه، واتسع الي دلاله اللباس في تحولات المجتمع. 2 ــ اللباس والطعام يكشفان بعض التغير الثقافي، وقراءه اسبابه تحتاج الي السياق. 3 ــ صار الجينز رمزا للغرب في التجربه السوفيتيه، ولا يثبت بذلك حظر عام لارتدائه. 4 ــ تاثر بعض مسيحيي قرطبه بالعربيه والزي العربي دون ان يعم ذلك جميع اهلها. 5 ــ تحمي الهويه بجوده ما نقدمه وجماله وقدرته علي التجدد. د. عبدالحميد خليفه الشايجي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓