ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. غدير محمد اسيري

حين تزهر المدن تنهض الامم للقمم

حين تزهر المدن تنهض الامم للقمم

لا تكتمل النهضه العمرانيه بكثره المباني والطرق والجسور وحدها، فالعمران الحديث مفهوم متكامل، يجمع بين كفاءه البنيه التحتيه وجمال المكان وراحه الانسان، ومن هنا تبرز اهميه ان ترافق المشاريع الكبري في دوله الكويت رؤيه واضحه للاهتمام بالحدائق العامه والتشجير، وتجميل الشوارع والساحات والمرافق الحكوميه، فالمدينه التي تمنح سكانها مساحات خضراء وممرات مريحه ومرافق انيقه، لا تقدم لهم منظرا جميلا فحسب، بل ترفع جوده حياتهم، وتعزز صحتهم النفسيه والجسديه، وتدعم شعورهم بالانتماء، وقد دخلت دوله الكويت مرحله تنمويه طموحه، ترتقي للانتقال من مفهوم انشاء المرفق الي مفهوم صناعه المكان، حيث تصبح المدرسه والمستشفي والجامعه ومركز الخدمه والواجهه البحريه نماذج للجمال والنظام والاستدامه، فالزراعه الحضريه والظل والتنسيق الجمالي ليست اضافات ثانويه يمكن تاجيلها، وانما مكونات اساسيه لمدينه حديثه قادره علي المنافسه وجذب الاستثمار وتحسين حياه المجتمع يعتقد البعض ان التزيين والتجميل مسؤوليه الافراد داخل منازلهم فقط، الا ان المظهر الحضاري الحقيقي يبدا من المرافق العامه، التي يراها الجميع ويستخدمونها يوميا، فحين تكون الحدائق نظيفه وامنه، والارصفه منسقه، والمباني الحكوميه مصونه، والاشجار موزعه وفق تخطيط علمي، يتعلم المواطن تلقائيا ان البيئه العامه امتداد لبيته، وليست مساحه لا تخصه، ولذلك تحتاج دوله الكويت الي تعزيز ثقافه المواطنين بالمفهوم الحضاري للبيئه، من خلال التعليم والاعلام والمبادرات التطوعيه، مع منح البلديات والمؤسسات العامه مسؤوليات واضحه لقياس جوده المشهد الحضري والمحافظه عليه، كما ينبغي اختيار نباتات واشجار ملائمه للمناخ المحلي وقليله الاستهلاك للمياه، وزياده المساحات المظلله، واشراك القطاع الخاص في رعايه الحدائق والساحات، من دون الاخلال بحق الناس في استخدامها، فالتشجير ليس حمله موسميه، والتجميل ليس زينه مؤقته، بل سياسه عامه مستمره تعكس احترام الدوله للانسان والمكان، وتبني سلوكا مجتمعيا تعليميا، يوثق بالمناهج وحصص النشاط العام، ليرفض الاهمال، ويحمي الممتلكات العامه، ويشارك في تطويرها منذ الصغر ويكمل للاجيال القادمه. تقدم العاصمه الدنماركيه كوبنهاغن مثالا عالميا ناجحا في تحويل البيئه الحضريه الي قوه تنمويه، فقد دمجت الحدائق والممرات الخضراء والساحات العامه ووسائل التنقل المستدامه ضمن تخطيط المدينه، واصبحت جوده المكان جزءا من هويتها وجاذبيتها الاقتصاديه والسياحيه، ولم يتحقق هذا النجاح بالزراعه وحدها، بل من خلال رؤيه مؤسسيه طويله الامد، جعلت الانسان محور التخطيط، واعتبرت الفضاء العام مقياسا لتقدم المدينه، ويمكن لدوله الكويت الاستفاده من هذه التجربه بما يتناسب مع مناخها وثقافتها، عبر وضع خطه وطنيه للعمران الاخضر، تربط بين المناطق السكنيه والحدائق والمرافق والواجهات البحريه، وتحدد معايير موحده للتشجير والصيانه والتجميل العمراني، وتفتح المجال امام الجامعات والشباب والمختصين للمشاركه في ابتكار حلول محليه، ان دوله الكويت تمتلك الامكانات والطموح والوعي المجتمعي اللازم لبناء مدن اكثر جمالا وانسانيه، ومع استمرار المشاريع التنمويه، وتكامل دور المؤسسات والمواطنين، يمكن ان تتحول كل حديقه ومرفق وساحه الي رساله حضاريه مشرقه، وان تصبح النهضه العمرانيه نهضه في الذوق والسلوك وجوده الحياه، بما يصنع مستقبلا اخضر يليق بدوله الكويت واجيالها القادمه. ودمتم سالمين،،، د. غدير محمد اسيري

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓