ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم طلال مطر الوردان

سيغفر للجميع... الا بـــاجـــيـــو

سيغفر للجميع... الا بـــاجـــيـــو

بعد ان اهدر الايطالي روبرتو باجيو ركله الترجيح الاخيره في نهائي كاس العالم 1994، انتشرت بين الجماهير الايطاليه عباره ساخره ذات طابع مجازي تقول: «سيغفر للجميع... الا باجيو»، لم يكن المقصود منها الحكم علي الرجل، بل تصوير كيف يمكن للحظه واحده ان تطغي علي سنوات من المجد، وكيف يستطيع خطا واحد ان يهزم تاريخا طويلا من النجاح. ولا ادري ان كانت الحياه تشبه كره القدم اكثر مما نظن، فكم من انسان بني شيئا جميلا علي مهل ثم هدمه قرار اتخذه في لحظه او نصيحه اقتنع بها او عناد ظن انه سيحفظ له هيبته. تجد ذلك في ابسط تفاصيل الحياه، سياره تجاوزت ثلاثمائه الف كيلومتر وناقل الحركه يعمل بهدوء، فينصحه احدهم بتغيير زيت القير، يقتنع بالنصيحه وبعد ايام يبدا القير بالارتجاج، ثم يتعطل، لم تكن المشكله في الزيت ولا في الميكانيكي، وانما في قرار جاء متاخرا، فكان ثمن الاصلاح اكبر من ثمن ترك الامر كما هو. وتجده في العلاقات ايضا، سنوات من الموده قد تنتهي بكلمه قيلت في لحظه غضب، او رساله ارسلت بدافع العناد، او حقيقه ظن صاحبها ان الوقت قد حان لكشفها، فاذا بها تهدم ما عجزت السنوات عن هدمه. اما الشركات، فيكفي ان تتذكر نوكيا وكوداك، شركتين امتلكتا السوق لسنوات ثم تاثرت مكانتهما، لا لان المال او الخبره نفدا، بل لانهما اخطاتا في قراءه المستقبل وتمسكتا بنجاح الامس، بينما كان العالم يتغير من حولهما. ويقول المثل: «النصيحه بجمل»، لكن ليست كل نصيحه تستحق جملا، فبعضها لا يساوي دجاجه، لانها قد تكون مبنيه علي قراءه قاصره او مصلحه ضيقه، او خوف من التغيير، فالناصح قد يغادر اما من ياخذ بالنصيحه فهو من يعيش نتائجها. العجيب ان ما يبنيه الانسان في سنوات قد يهدمه قرار لا يستغرق دقيقه، لذلك ليست كل خطوه الي الامام تقدما، وليست كل نصيحه صائبه، وليست كل شجاعه في الاقدام، فبعض التراجع حكمه، وبعض الصمت نجاه، وبعض ما نتركه علي حاله يعيش اطول مما لو حاولنا اصلاحه. وربما لهذا لا يخيف العقلاء كثره الاخطاء، بقدر ما يخيفهم القرار الذي لا يملك فرصه للتراجع، فهناك اشياء اذا انكسرت لا يعيدها الاعتذار، ولا يصلحها الندم، ولا يمحوها الزمن. طلال مطر الوردان

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓