ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالحميد الشايجي

كليه الشريعه.. كيف نبني كليه يحتاج اليها المستقبل؟ (3–3)

كليه الشريعه.. كيف نبني كليه يحتاج اليها المستقبل؟ (3–3)

في المقال الاول من هذه السلسله، توقفنا عند تراجع الاقبال علي كليه الشريعه، وقلنا ان الرقم ليس المشكله في ذاته، وانما هو مؤشر يدعونا الي قراءه ما وراءه. وفي المقال الثاني، ناقشنا المسؤوليه عن البيئه التي جعلت الطالب يعيد التفكير في اختياره، وخلصنا الي ان المسؤوليه موزعه بين السياسات العامه، وسوق العمل، والجامعه، والكليه نفسها. لكن بعد تشخيص المشكله وتحديد المسؤوليات، يبقي السؤال الاهم: اذا كنا لا نريد لكليه الشريعه ان تتقلص، فكيف نعيد بناءها لتصبح كليه يحتاج اليها المستقبل؟ والجواب يبدا من حقيقه واضحه: نحن لا نحتاج الي كليه شريعه اقل شريعه، وانما الي كليه شريعه اكثر قدره علي الحضور في المستقبل. فالمشكله ليست في اصاله العلوم الشرعيه او قيمتها، بل في ان العالم يتغير بسرعه، بينما لا تزال بعض مؤسساتنا التعليميه تتعامل مع المستقبل كما لو كان نسخه من الماضي. اولا: من الدفاع عن الكليه الي اعاده بنائها لم يعد السؤال: هل كليه الشريعه مهمه؟ فحاجه الانسان الي الدين والقيم والاخلاق باقيه ما بقي الانسان. السؤال الحقيقي هو: كيف نترجم هذه الاهميه الي برامج وخريجين ومؤسسات يحتاج اليها المجتمع؟ فالدفاع عن الكليه لا يكون بتكرار الحديث عن مكانه العلوم الشرعيه، وانما باثبات قدرتها علي فهم الواقع وتقديم اجابات لقضايا الانسان والمجتمع والدوله. والكليه التي تثق بعلمها لا تخاف من المراجعه، بل تجعلها شرطا للبقاء والتاثير. ومن هنا يبدا الاصلاح بسؤال واحد: ما نوع الخريج الذي نريد؟ ثانيا: خريج جديد لعصر جديد نحتاج الي خريج يمتلك تاصيلا شرعيا راسخا، لكنه يمتلك كذلك ادوات العمل والتاثير: البحث والتحليل، والكتابه والتواصل، وفهم الواقع والانظمه، والتعامل مع التقنيه، والعمل المؤسسي، والوعي بالاقتصاد والاسره والمجتمع. فالمطلوب ليس تخفيف العلوم الشرعيه، بل اضافه المهارات التي تمكن صاحبها من تنزيل علمه علي الواقع. من خريج ينتظر الوظيفه، الي خريج يحتاج اليه العمل. ثالثا: من تخصص واحد الي مسارات بينيه الحفاظ علي هويه كليه الشريعه لا يعني حبس الطالب في طريق اكاديمي واحد. فبعد بناء اساس شرعي متين، يمكن فتح مسارات بينيه تجمع الشريعه بمجالات يحتاج اليها المجتمع، مثل: القانون، والتمويل والاقتصاد الاسلامي، والاعلام الرقمي، والاسره والاصلاح المجتمعي، والاوقاف والعمل الخيري، والسياسات العامه، واخلاقيات المهن والتقنيه. فالمستقبل لا يحتاج الي متخصص يعرف مجالا واحدا فقط، بل الي من يستطيع الربط بين العلوم وتقديم حلول مركبه لمشكلات مركبه. رابعا: سوق العمل شريك لا محطه اخيره من الخطا ان ننتظر تخرج الطالب ثم نسال: اين سيعمل؟.. ينبغي ان تبدا العلاقه بسوق العمل قبل دخول الطالب الجامعه، وان تراجع البرامج علي ضوء احتياجات المجتمع والدوله. وهنا تصبح الشراكات مع الجهات الحكوميه والقضائيه والماليه والوقفيه والاجتماعيه والاعلاميه ومراكز البحوث شراكات حقيقيه، تتحول الي تدريب ميداني، ومشروعات مشتركه، وفرص تطبيق، وتحديد مستمر للمهارات المطلوبه. خامسا: الذكاء الاصطناعي فرصه لصناعه الدور لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد تقنيه جديده، بل سيطرح اسئله عميقه عن الاخلاق والمسؤوليه والخصوصيه والعداله والمنفعه والضرر. وهنا يجب الا تكون كليه الشريعه مجرد متلقيه لما يصنعه الاخرون، بل شريكا في صياغه الاطر الاخلاقيه والتشريعيه التي تحكم التقنيه، وفي انتاج المعرفه التي تساعد المجتمع علي التعامل معها. سادسا: الدراسات العليا من التكرار الي صناعه المعرفه ينبغي ان تتحول الدراسات العليا الي مختبر لمعالجه القضايا الحقيقيه: الاسره والتحولات الاجتماعيه، والتمويل الاسلامي، والتشريعات المعاصره، والتقنيه، والخطاب الديني، والاخلاقيات المهنيه، والوقف والتنميه. فالدراسه العليا ليست طريقا الي لقب علمي فحسب، بل مسؤوليه في انتاج معرفه نافعه وحلول قابله للتطبيق. سابعا: الاصاله ليست ضد المستقبل ليس امامنا خياران: الحفاظ علي الاصاله او مواكبه العصر. فهذا اختيار زائف. فالاصاله ليست تجميد الماضي، والتجديد ليس قطع الصله بالجذور، وانما القوه في ان ناخذ من تراثنا منهجه وقيمه واصوله، ثم نستخدمها في التعامل مع اسئله عصرنا. وهذا ما ينبغي ان تكون عليه كليه الشريعه: راسخه في اصولها، حاضره في عصرها، مؤثره في مستقبلها. ثامنا: نحتاج الي قرار ومشروع اصلاح الكليه لا يتم باضافه مقرر او حذف اخر، بل يحتاج الي مشروع متكامل يسال: ماذا يحتاج المجتمع من كليه الشريعه خلال العشرين سنه المقبله؟ ثم تبني علي الجواب رؤيه واضحه للخريج، ومراجعه دوريه للبرامج، ومسارات بينيه جديده، وتدريب عملي، وشراكات مع سوق العمل، وتطوير للبحث العلمي، ومؤشرات تقيس توظيف الخريجين واثر البرامج. ويجب ان يشارك في هذا المشروع اساتذه الكليه والجامعه والجهات الحكوميه وسوق العمل والخريجون والطلبه؛ فالذين يعيشون المشكله جزء من الحل. تاسعا: من يحمي مستقبل كليه الشريعه؟ في المقال الاول سالنا عن الرقم، وفي الثاني عن المسؤوليه، واليوم نصل الي السؤال الاخير: من يحمي مستقبل كليه الشريعه؟ لن يحميها الدفاع العاطفي، ولا الحنين الي الماضي، ولا القرارات الاداريه وحدها.. الذي يحمي مستقبلها هو ان تكون مهمه للمجتمع، نافعه للدوله، جاذبه للطالب، وقادره علي الاجابه عن اسئله العصر. فالقضيه ليست: كيف نحافظ علي كليه الشريعه؟ بل: كيف نجعل المجتمع اكثر حاجه اليها؟ فاذا نجحنا في ذلك، فلن يختار الطالب مجرد شهاده، بل علما اصيلا، ومهنه ممكنه، ورساله يحتاج اليها المجتمع. وهذا هو المستقبل الذي تستحقه كليه الشريعه في دولتنا الحبيبه، دوله الكويت. الزبده 1. مستقبل كليه الشريعه لا ينقذ بزياده اعداد المقبولين، بل باعاده بناء مشروعها الاكاديمي والمهني وفق احتياجات المستقبل. 2. نحتاج الي خريج يجمع بين التاصيل الشرعي الراسخ والمهارات التي تمكنه من العمل والتاثير. 3. المسارات البينيه توسع مجالات التطبيق ولا تميع هويه التخصص. 4. يجب ان يصبح سوق العمل شريكا في بناء البرامج، لا جهه نبحث عنها بعد التخرج. 5. الذكاء الاصطناعي يفتح امام كليه الشريعه دورا جديدا في صناعه الاطر الاخلاقيه والتشريعيه للتقنيه. 6. الدراسات العليا ينبغي ان تنتقل من تكرار الموضوعات الي انتاج معرفه تعالج مشكلات المجتمع. 7. الهدف ليس الحفاظ علي الكليه لانها موجوده، بل جعل المجتمع يحتاج اليها لانها قادره علي خدمه مستقبله. د. عبدالحميد الشايجي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓