هل الطبيب انسان عادي؟

كتب الزميل العراقي/الالماني، صاحب الاسم اللافت «ملهم الملائكه»، مقالا في «الحوار المتمدن» بعنوان قريب من العنوان اعلاه، ذكر فيه، بتصرف: في زحمه الحياه ينسي الكثيرون ان طبيبهم الذي يلتمسون عنده الشفاء ليس احد افراد القطيع البشري الذي ينتظم فيه الغالبيه، بل هو احد الرعاه النوادر. ما ذكره ملهم صحيح، وسبق ان تطرقت لهذا الموضوع قبل ايام في مقال ذكرت فيه ان المتميزين في الطب، هم من صرفوا انفسهم بشكل شبه كامل لدراستهم، وهجروا خلالها الدنيا، لسنوات عده، لتكمله رسالتهم الانسانيه، ودفعوا الثمن غاليا. يستطرد ملهم: اراني اصنف الطبيب في بعض المواضع في مراتب الحكماء. وقد يعترض البعض لكني احيلهم، ببساطه الي تصنيف العرب للطبيب بوصفه «حكيما» وهو تصنيف موروث في كل تاريخ الحضارات، وحكمته جاءت لانه الوحيد الذي يجمع، في دراسته بين علم الاجساد، وعلم الارواح والنفوس والاخلاق، فمعالجه الابدان لا تستقيم دون فهم النفس البشريه وطبائعها. وكان الطبيب، في بدء تمدن البشريه، يدرس الفلسفه والمنطق والفلك الي جانب الطب. تطلق الدول الحديثه، عاده، لقب «دكتور»، علي الطبيب البشري. ويتحرج، الغربي بشكل عام، من حمله شهاده الدكتوراه في الفلسفه، خارج مجال الطب، من استخدام التسميه، او تقديم نفسه بـ«دكتور» او كتابه اللقب في مخاطباته مع الغير، ما لم تكن رسائل بحثيه او رسميه. فهنري كيسنجر وزبيغنيو بريجينسكي، وكونداليزا رايس، ونعوم شومنسكي، والملايين غيرهم، يحملون شهادات الدكتوراه، لكن لا احد يخاطبهم بها. وما نراه عندنا عكس ذلك تماما. لذا اتحرج كثيرا في مخاطبه «الدكتور» بما يحب، خاصه من غير الاطباء، لكثرتهم، وضحاله فكر غالبيتهم، فكيف يكون خريج شريعه، مثلا، دكتور فلسفه في العقيده، والدين لا يعترف بالفلسفه اصلا، كما انه كامل، فما حاجته لطالب دكتوراه، ليكمله؟ لذا استخدمت مسطره واحده في التعامل مع الجميع، والاكاديمي الواثق من نفسه وعلمه سيتفهم وجهه نظري حتما، خاصه ان لقب دكتور كان تاريخيا محصورا فيمن يصل الي اعلي درجات العلم في الجامعات، لكن بمرور الوقت ارتبط بالطب لعده اسباب، منها: الهويه المهنيه المكتسبه في التحصيل الاكاديمي: في العديد من البلدان مثل الولايات المتحده وبريطانيا وكندا واستراليا، التي تمنح كليات الطب شهاده دكتوراه مهنيه مخصصه للممارسه الاكلينيكيه مثل MD او MBBS ورغم انها شهادات تطبيقيه وليست بحثيه، الا انها تمنح صاحبها الحق القانوني والمهني في استخدام اللقب، هذا اضافه الي الوضوح امام المرضي وتميز المكانه في المجتمع الطبي، وتمكين المرضي من التعرف فورا علي الشخص المسؤول عن رعايتهم الطبيه داخل المستشفيات. وقد تكون بريطانيا، كعادتها في التفرد، لا تتبع ذلك، فبمجرد تحول الطبيب لجراح، وهي درجه ارفع، فان عليه التخلي عن لقب، ليخاطب بالسيد او «Mr.» هذا تقليد تاريخي يعود للايام التي كان فيها الجراحون ينتمون لنقابات الحلاقين (الحجامين) وليس لاطباء الجامعات. اما في المانيا والنمسا وسويسرا، حيث تسود القوانين الصارمه، فان خريج كليه الطب يسمي طبيبا، ولا يحق له قانونا استخدام لقب «دكتور» (Dr) الا اذا كتب اطروحه دكتوراه وحصل علي درجه (Dr. med). * * * قد يري البعض شيئا من المبالغه في ما كتبه الزميل «ملهم»، لكن ليس ادل علي صدق قوله، ما ينتابنا عاده من قلق وهلع فور الاصابه بعارض صحي، او عند الحاجه لاجراء عمليه جراحيه، حينها تتضاءل كل التخصصات والالقاب، ويصبح «الطبيب» هو المنقذ والملهم والملاك، القادم لنا بصوره انسان، والذي بمقدوره تخفيف الامنا، وربما اعاده الامل والروح لنا. احمد الصراف