نسيت عنوانك

الناس يسحرون بالجديد، ويهرولون اليه. في ايام ليست بالبعيده، كان التفاخر بالخط الجميل وقلم الحبر وريشته الذهبيه، يعني الكثير لاغلبيه الكتاب والمثقفين والاكاديميين ورجالات الدوله. وكان بعض الشباب يتباهي بخطه الجميل وهو يكتب رساله لمحبوبته. لكن، ولان لا شيء ثابت في الحياه سوي التغير، هجر الناس القلم، وصار هناك من يتخرج في الجامعه، وهو لا علاقه له بالقلم ولا بالخط. وحين يسال يجيب بثقه متعاليه: «لا احتاج الكتابه باليد، اكتب بالكمبيوتر، وبشاشه التلفون». الناس يسحرون بالجديد، ويهرولون اليه. هذا ما حصل حين هرولت الدول الاوروبيه الي ادخال التعليم الرقمي في مدارسها، واستبدلت استخدام الكمبيوتر واللوح الرقمي بالقراءه والكتابه اليدويه، وكم تفاخرت تلك الدول بذلك، وانها تدخل الرقمنه بدءا من رياض الاطفال! لكن اليوم، تتجه هذه الدول، ومن بينها: السويد وفنلندا والنرويج وفرنسا وايطاليا والدنمارك، الي اعاده الاهتمام بالكتب المطبوعه والكتابه باليد، بعد ان تاكدت انها تخرج اجيالا جاهله، لا علاقه لها بالقراءه والكتابه، تخرج من يعجز عن كتابه فقره عن نفسه، ومن يعجز عن حفظ جدول الضرب. وهذا ما دفع الخبراء الي وصف الظاهره بـ«تعفن الدماغ»، نظرا لتراجع التركيز والتفكير والتحليل والاستنتاج، جراء الاستهلاك المفرط للمحتوي الرقمي السطحي. درجت مع بدايه شبابي علي حفظ العناوين، فانا حين ازور بيت صديق للمره الاولي، اكون قد اعطيت تعليمات لعقلي بضروره الانتباه، وتتبع وحفظ علامات الطريق. وبمجرد الزياره الاولي، يحفظ عقلي في ملف خاص عنوان الصديق، ويرجع اليه كلما قصدته. لكن، مع ظهور تطبيق «خرائط غوغل - Google Maps»، هرولت كما هرول غيري الي التطبيق، وصرت لحظه اركب سيارتي استعين بالمعلم غوغل، فيستدل هو علي العنوان وياخذني اليه، بينما اوصدت بوابات عقلي عن التفكير بالعنوان. وبالتالي، فانا اليوم لا استدل علي بيوت اصدقائي، خاصه الذين اتردد عليهم بشكل متباعد، دون مساعده المعلم غوغل، حتي لو كان العنوان لدي، فلقد نسيت كيف استدل علي الاماكن من خلال عناوينها. الناس يسحرون بالجديد، ويهرولون اليه. اعرف، كما يعرف غيري، اننا مسكونون بتقليد الغرب، وان دول الغرب، وتحديدا تلك التي يتصف التعليم فيها بانه متقدم، وتتميز مستويات الذكاء لدي طلبتها بالارتفاع، وطريقه تدريسها بالنموذجيه، قد اعادت الاعتبار الي القلم والدفتر والخط والكتابه، وتكاد تمنع استخدام الهواتف المحموله في المدارس، وهذا نتيجه تقارير اكدت تراجع مستويات الفهم القرائي وقدره التركيز لدي الطلاب، «بسبب الافراط في استخدام الشاشات، كما كشفت الابحاث ان التوسع غير المحسوب في الوسائل الرقميه لم يحقق الوعود الورديه بزياده تحصيل الطلاب؛ بل ادي الي تشتت الذهن، واضعاف المهارات». الناس يسحرون بالجديد، ويهرولون اليه. ارجوكم، هرولوا عائدين الي القلم والدفتر والخط والكتابه والقراءه، وابعدوا ابناءكم عن التليفون كي يتعلموا مواجهه الحياه، فمن يفقد القدره علي حفظ عنوان صديقه اليوم، سيفقد غدا القدره علي حفظ عنوان نفسه. طالب الرفاعي