ذهب المعرفه

حين تبلغ مؤسسه وطنيه عامها الخمسين، من السهل ان يتحول يوبيلها الذهبي الي معرض للصور والذكريات والانجازات الماضيه، لكن مؤسسه الكويت للتقدم العلمي اختارت ان تحتفل بطريقه مغايره، فجعلت من الخمسين عاما الماضيه نقطه انطلاق لما هو قادم. تاسست المؤسسه في ديسمبر 1976 برؤيه اميريه ساميه من المغفور له باذن الله الشيخ جابر الاحمد الصباح، وتوارث امراء الكويت الراحلون، طيب الله ثراهم، هذه الرؤيه، فرعوها واحاطوها بعنايتهم، وتتواصل اليوم بقياده حضره صاحب السمو امير البلاد الشيخ مشعل الاحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه. ومنذ تاسيسها، حملت المؤسسه ايمانا راسخا بان نهضه الاوطان تبدا من العلم والشباب، وان الاستثمار الحقيقي هو في العقول، وان التنميه المستدامه تمر عبر دعم البحث العلمي، وتمكين الشباب، وتعزيز ثقافه الابتكار. وقد ترجمت المؤسسه هذه الرؤيه الي منظومه علميه ومعرفيه متكامله من خلال ما تقدمه ومراكزها التابعه، مثل مركز صباح الاحمد للموهبه والابداع، والمركز العلمي، ومعهد دسمان للسكري، ومركز الكويت الوطني لابحاث الفضاء وغيرها من المراكز والبرامج التي امتد اثرها من الطفل والطالب الي الباحث والمبتكر والمجتمع باسره. والجميل ان القطاع الخاص الكويتي كان ولا يزال شريكا اصيلا فيها، من خلال تخصيص الشركات المساهمه نسبه من صافي ارباحها السنويه لدعم انشطه المؤسسه وبرامجها، في نموذج وطني للاستثمار في الانسان والمعرفه. ولعل «الصيف الذهبي» كان من اجمل تجليات هذه الرؤيه، فبعد خمسين عاما من العمل، لم يكن الاحتفال بالماضي فحسب، بل تحول الصيف الي مساحه للتجربه والاكتشاف والتعلم. ففي المركز العلمي، اقترب الاطفال والناشئه من العلوم عبر برامج تفاعليه اخذتهم من العالم الطبيعي وجسم الانسان الي الفضاء، وحولت المعرفه الي تجربه حيه تلامس اهتماماتهم وتفتح امامهم افاقا جديده. وفي مركز الكويت الوطني لابحاث الفضاء، فتحت امامهم نافذه علي الكون من خلال المحاضرات العلميه وورش الرصد الفلكي. وفي مركز صباح الاحمد للموهبه والابداع، انتقل الطلبه من الفضول الي التصميم والصناعه والتجربه عبر برامج جمعت الهندسه والتقنيه والعمل الجماعي، وبرامج اثراء قربتهم من تخصصات المستقبل. كما اسهم معهد دسمان للسكري ببرامجه التدريبيه والصحيه والعلميه الموجهه للشباب والمجتمع. وهكذا، لم يكن «الصيف الذهبي» مجرد انشطه متفرقه، بل رحله معرفيه تبدا من اعماق البحر، وتمتد الي مختبرات الهندسه والابتكار، وتصل الي افاق الكون، وكلها تلتقي عند هدف واحد: ان نمنح العقول مساحه للسؤال والتجربه والمحاوله والابتكار. علينا الاستمرار في البناء علي هذه التجربه، وتوسيع نطاق البرامج العلميه والمعرفيه، وربط الموهبه منذ اكتشافها بمسارات مستمره من الاثراء والتطوير والبحث والابتكار، بما يصنع اجيالا اكثر شغفا بالعلم واستعدادا للمساهمه في اقتصاد الكويت المعرفي ومستقبلها. اليوبيل الذهبي الحقيقي لا يقاس بما مضي من وقت فحسب، بل بما زرع خلال هذه السنوات من فضول وشغف ومعرفه. هذا هو ذهب المعرفه. هنيئا لمؤسسه الكويت للتقدم العلمي خمسين عاما من خدمه العلم والانسان، وهنيئا لكل من اسهم في هذه المسيره من مجلس اداره وقياديين وعاملين ومراكز تابعه، سائلين المولي عز وجل ان تتواصل مسيرتها في خدمه العلم والمعرفه، وان تبقي مناره للبحث والابتكار وتمكين اجيال الكويت القادمه. د. ضاري عادل الحويل