ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. حامد الحمود

الربا والاقتصاد والتمويل الاسلامي: رؤيه مختلفه (2)

الربا والاقتصاد والتمويل الاسلامي: رؤيه مختلفه (2)

اضافه الي موضوع البنوك الاسلاميه، يبحث كتاب «الربا والاقتصاد والتمويل الاسلامي: رؤيه مختلفه» في تاريخ الاقتصاد العالمي وتطور علم الاقتصاد، كما يناقش مفهوم الاقتصاد الاسلامي واساءه فهم كتاب «اقتصادنا» للسيد محمد باقر الصدر. ويشرح الظروف السياسيه والاقتصاديه التي ادت الي تاسيس «بنك التمويل الاسلامي». ويناقش الكتاب بالتفصيل موضوع تحريم الربا في الاسلام وفي جميع الديانات السماويه وغير السماويه. ويوضح ان هناك اجماعا علي تحريم الربا في كل الاديان، بما في ذلك اليهوديه. ففي سفر الخروج من التوراه (العهد القديم) يذكر: «ان اقرضت فضه لشعبي الفقير فلا تكن كالمرابي، لا تضعوا عليه ربا». وفي سفر اللاويين: «واذا افتقر اخوك وقصرت يده فاعضده، لا تاخذ منه ربا او مرابحه، فضتك لا تعطه بالربا وطعامك لا تعطه بالمرابحه». ومن الانجيل: «من سالك فاعطه، ومن اراد ان يقترض فلا ترده». وحتي ان هناك اشارات لتحريم الربا في الهندوسيه والبوذيه، لكنها في النهايه تضع حدا اعلي للفائده المسموح بها، وهي %5، واعلي من ذلك يكون ربا. وظلت الكنيسه الكاثوليكيه تحرم الربا لاكثر من 16 قرنا من الزمان. لكن البابا كان يعطي استثناءات للارامل وحالات معينه علي اخذ الربا. وفي بريطانيا نشر المحامي البريطاني كتابا عن الربا عام 1572 وصف فيه من ياخذ الربا بالكلب المسعور. بعد ذلك اصدر مجلس العموم البريطاني قرارا بتجريم التعامل بالفائده، ما اضطر تجار بريطانيا الي السفر الي هولندا لنيل تسهيلات مصرفيه، فاضطر مجلس العموم لالغاء قراره. لكن حدثت ثوره في المسيحيه حول مفهوم الربا في المسيحيه في القرن السادس عشر علي يد القس جون كالفن (Calvin)، بدات باعاده تعريف الربا. يعرف كالفن (Calvin) الربا بانه: «الفائده التي ياخذها الغني من الفقير عندما يضطر الفقير للاقتراض لشراء خبز». لكن عند كالفن، فانه عندما يقترض الغني من غني اخر لتمويل تجاره او بناء سفينه، فهذا لا يعتبر ربا. وقد احدثت اعاده تعريف الربا من قبل كالفن ثوره في التمويل في الدول الاوروبيه التي تتبع المذهب البروتستانتي، فازدهرت التجاره والصناعه في هذه الدول، مثل انكلترا وبلجيكا، وتخلفت في دول كاثوليكيه، مثل اسبانيا وايطاليا وفرنسا. وظلت الكنيسه الكاثوليكيه في فرنسا تحرم التعامل المصرفي حتي القرن التاسع عشر. لذا، وبشكل عام، فان هناك وهما بان تحريم الربا مقصور علي الاسلام، بل ما زالت هناك نصوص في قوانين بعض الدول الاوروبيه تحرم الربا (Usury)، لكنها تعرف الربا بانه: «الفائده المرتفعه جدا»، فعندما تكون الفائده المصرفيه نحو %5، مثلا، ويكون القرض بـ%15 يعتبر هذا ربا، وعاده ما يسقطه القضاء اذا لجا المقترض اليه. والربا مكروه في التاريخ وفي التراث الادبي، فقصه تاجر البندقيه معروفه للقارئ، كما ان هناك اشاره للربا في روايه «الجريمه والعقاب» لدوستويفسكي، حيث «وصف الطالب العجوز بانها شريره وخبيثه، وقيل انها صاحبه نزوات. يكفي ان يتاخر المدين عن سداد الدين يوما واحدا حتي يفقد الرهن، لا تقرض من المال مبلغا الا يساوي ربع قيمه الرهن، وتتقاضي فائده شهريه مقدارها خمسه او سبعه بالمئه». فالمرابي شخصيه مكروهه في كل الادب والتراث العالمي. وفي الاسلام، هناك ست ايات كريمه تحرم الربا. لكن لا يوجد اجماع علي تعريف الربا في الاسلام، فالايات نزلت علي الرسول (ص) في اخر سنتين من حياته، ولم تكن هناك معاملات تجاريه واضحه يمكن الاستناد اليها لتوضيح المعني الحقيقي للربا. والخليفه عمر بن الخطاب (رض) يعترف بان موضوع الربا في الاسلام تلبسه بعض الغموض، لذلك فقد قال: «حرمنا تسعه اعشار الحلال مخافه الربا». وهناك احتمال كبير ان الخليفه العادل كان سيتفهم تعريف رجل الدين المسيحي جون كالفن للربا، بانه الفائده العاليه علي ديون الفقراء. وتعبير موضوع «الاقتصاد الاسلامي» محرج حتي للمتحمسين للتمويل الاسلامي، لانهم يدركون ان هذا موضوع جدلي خاسر، وقد يضعف اهدافهم الربحيه في تعزيز الاستثمار في التمويل الاسلامي. ويلاحظ ان تعبير «اقتصاد اسلامي» تعبير جديد استعمله لاول مره ابوعلي المودودي في الاربعينيات من القرن العشرين، ولم يكن يقصد الاقتصاد بقدر قصده تعزيز الهويه الاسلاميه. بل ان موضوع «الاقتصاد» كتعبير هو مفهوم جديد نسبيا. حتي ان ادم سميث في كتابه «ثروه الامم» لم يقدم نظريه اقتصاديه، وهو نفسه لم يكن اقتصاديا، بل كان فيلسوفا لاحظ انتعاش حركه التبادل التجاري في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، واراد ان يقدم رؤيه ومبادئ تعتمدها الحكومات لتنظيم التبادل التجاري بين الدول الغربيه بالذات. وقد سبق كتابه هذا ان نشرت مؤلفات في الفلسفه ليس لها علاقه بالاقتصاد. لكن كتابه «ثروه الامم» لم يكن ممكنا تاليفه في فتره سابقه لان التبادل التجاري العالمي كان ضعيفا. حتي ان الاقتصاد لم يدرس كماده مستقله بهذا الاسم الا عام 1905 في جامعه كمبردج في انكلترا علي يد الفريد مارشال. عندما قرر تدريس كتابه «مبادئ الاقتصاد Principles of Economics»، وظل هذ الكتاب المرجع الرئيسي للطلاب لاربعين سنه. اي انه انتظر الي تقبل العالم النظريه الاقتصاديه كما قدمها جون مينارد John Maynard Keynes. د. حامد الحمود

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓